يبدو أننا سوف نعاني كثيرًا- كما عانينا- من توابع ذلك الزلزال الذي تفجَّر في حملة منظمة وخطة محكمة وتدبير مرسوم لشنِّ غارة على الإسلام، وعلى كل من ينادي به ويعمل له؛ باعتباره منهجَ حياةٍ، ونظامَ مجتمعٍ شاملاً كاملاً، متوافقًا مع الفطرة، متناسقًا مع الكون والحياة والإنسان، يقدِّم للناس في كل زمان ومكان ما ينفعهم في شئون دنياهم وأخراهم.. حالهم ومآلهم.. يُصلح من شئونهم وينفض عنهم غبار المعتقدات الباطلة.. والقيم الهابطة.. والتردي في عالم الوحل والطين.

 

وهو المعنى الذي عناه ذلك الصحابي البسيط الذي ذهب إلى رستم قائد الفرس مندوبًا عن قائد الجيش المسلم؛ حيث سأله رستم ماذا جاء بكم؟! فيرد عليه ربعي بن عامر: "ابتعثنا الله لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام.. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

 

الهجمة الشرسة التي نواجهها بدأت أولاً بالهجوم على الإخوان المسلمين، تنال من أشخاصها وفكرها ومنهج حركتها وأساس منطلقها، وتستغرب تناولها للإسلام عقيدةً وفكرًا وحركةً، وتضع أمامها العراقيل والمتاريس والشبهات والافتراءات؛ حتى لا تأخذ حريتها كغيرها من الدعوات، في الحركة الطبيعية العادية في عالم الواقع، فتحدث أثرها المرجو في المجتمع، وتغير من واقع حياة الناس البائس من جرَّاء سياسات قاصرة ومناهج فاشلة وتجارب مستوردة من الغرب أو الشرق، ثم يتضح في نهاية المطاف أن الجميع كان يلهث ولكن وراء سراب، يحسبه الظمآن ماءً وهو ليس بماء ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور: 39).

 

هذه الهجمة لم تكتفِ بالنَّيل من دعوة الإخوان المسلمين؛ باعتبارها دعوةً ارتضت أن تتحرَّك لإصلاح أحوال المجتمع، وتعمل على تغيير واقعه، وهي في حركتها لا تدَّعي أنها تمتلك الحق المطلق أو أنها تحتكر الحقيقة أو أنها تنطق أو تتكلَّم باسم "الله" كما يرميها البعض.

 

المهم أن الحملة تجاوزت فكرة الهجوم على الجماعة إلى الهجوم على الإسلام نفسه ومناقشة مدى صلاحيته لأن يحكم حياة الناس وينظم شئونهم، ويُرسي نظامهم على قواعد راسخة من الحق والعدل والحرية، وانبرى لهذا الهجوم كثيرٌ من أصحاب الأقلام الحاقدة والرؤى الغريبة الجاهزة والأفكار المستوردة من الغرب أو من أبناء كارل ماركس أو "هنرى كوريل".

 

وهنا وقعت هذه الحملات في شر أعمالها، واستعدت طوائف أخرى غير "الإخوان"؛ حيث استفزّت رجال الأزهر وعلماء الإسلام، وخرج هؤلاء عن صمتهم؛ إذ إن الصمت هنا لا ينجي، إنما هو مهلك ومضيع للحق وللحقيقة، وما كان الله- ولا التاريخ- ليغفره؛ لذلك رأينا شيخ الأزهر وكذلك الدكتور نصر فريد واصل وكذلك المفتي الحالي الدكتور علي جمعة وغيرهم من العلماء الأجلاَّء يتصدَّون لهذه الحملة الشرسة، ويقرِّرون أن الإسلام نظام شامل، يشتمل على كل شأن من شئون الحياة، وهي نفس الدعوة التي بدأها الإمام الشهيد حسن البنا- مؤسس دعوة الإخوان المسلمين- وينفون عن الإسلام فكرة الدولة الدينية، فهو لم يعرفها ولم يمارسها طوال حياته، من فترة قيام الدولة في المدينة المنورة وحتى الآن، وإنما هي دولة مدنية، بمعنى أنها تُحكَم بنظام الإسلام ولا تدَّعي "التفويض الإلهي"، وأن حكم الإسلام يطبقه ويقوم عليه بشر، يجوز في حقهم الخطأ والصواب، ولا يدَّعون الحق المطلق كما كان عليه الحال في أوروبا إبَّان تحكُّم الباباوات في شئون أهلها وادِّعاء الحق الإلهي المطلق.

 

ثم هؤلاء العلماء أوضحوا بطلان دعوى الفصل بين الدين والحياة.. أو بين الدين والسياسة، وهو ما يهدم دعوى العلمانية التي جاءت لتكرِّس مبدأ "ما لله لله وما لقيصر لقيصر".

 

ومع ذلك كله..

ومع هذا الوضوح الذي لا يترك مجالاً للبس أو الارتياب، ومع ما كان متوقَّعًا من أن ينصرف بعض الكتاب والمفكِّرين والأدباء- حسب الألقاب التي تُخلَع عليهم- إلى تخصصاتهم وإصلاح المجتمع بعيدًا عن استهداف الإسلام.. فإنهم ما زالوا يتراوحون في أماكنهم، ثابتين على أفكارهم الخاطئة، وكأنما قد تعاهدوا على العداء للإسلام وتواصَوا على ذلك باعتباره هو العدو الأول والأخير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

نظرة سريعة إلى بعض النماذج في جريدة واحدة، وهي جريدة (الأهرام):

ففي يوم الأربعاء 18 أبريل 2007م في الحوار بين الأغلبية والمعارضة الذي نظمه مجلس الأعمال المصري- الكندي يقوم رئيس حزب مشارك في هذا الحوار باستعداء الدولة والحزب الوطني على الإخوان المسلمين، بما عرف عنه من حقدٍ دفينٍ على كل ما يمتُّ للإسلام بصلة؛ حيث يدَّعي كذبًا أن التيار "المتأسلم"- هكذا يسمي الإخوان زُورًا- يدَّعي أن هذا التيار يضرب الديمقراطية مرتين:

- الأولى بمنع المجتمع من التقدُّم والتمدُّن، وهذا محض افتراء وكذب وتدليس، فالإسلام- وكذا الإخوان- يأخذ بكل أسباب التقدم والنهضة والرقي المادي والمعنوي، ولا يتصادم مع العلم وحقائقه.

 

- والثانية كورقة تخويف من الحكومة للمواطنين، ويدَّعي أن الحزب الوطني هو أقلُّ الأحزاب مواجهةً للإرهاب وتيار الإخوان؛ ولهذا فهو يستجدي- "هكذا يصف"- الحزب الوطني أن يعمل معه "التجمع والمعارضة" ضد الإخوان، وكأن الحكومة والحزب الوطني في حاجة إلى التحريض وزيادة جرعة القمع والإقصاء ومصادرة الأموال والمحاكمات العسكرية والزَّجّ بالأعداد الضخمة في أَتُون السجون والمعتقلات، وحسبنا الله ونعم الوكيل!!

 

وفي يوم الأربعاء كذلك 18/4/2007م تحت عنوان: "لم نعد أطفالاً" يناقش الكاتب بدأب شديد حرية الكتابة والإبداع، ويبارك ما تنشره مجلة "إبداع" التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومفهوم الإبداع عند الكاتب أن ينطلق دون قيود أو عوائق أو رقيب من القواعد التي يُرسيها الدين أو الأخلاق أو القيم عامةً، ولا يلتفت إلى ذلك؛ حيث مهمة المبدع- كما يدَّعي- أن يكون خبيرًا لا رقيبًا، ويقول إنه إذا جاء "أبو نوَّاس" لينشر رؤاه وأشعاره الفاسدة الماجنة فإنه ينشرها دون رعاية لقيم الدين والأخلاق والفضيلة، ويتخيَّل أن أبا العلاء المعرِّي لو قام من قبره الآن وأراد أن ينشر شكوكه في الذات الإلهية

 

أما الإله فأمر لست مدركه          فاحذر لجيلك فوق الأرض إسخاطًا

ويعتبر الكاتب أن عدم النشر فيه سوء ظن بالناس واعتبارهم أطفالاً عاجزين عن الفهم.

 

إن حرية ضرب القيم والأصول وثوابت الإسلام لا تكون هكذا مطلقة، يمارسها كل مخرّب ومدمّر وجاهل دون ضوابط، وإنه يلزم الدولة وكل مؤسسات العمل الإسلامي الصحيح أن تشيع النموذج الإسلامي الذي  يروِّج للخير والفضيلة ويتسامَى بالنفوس والأرواح ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِين﴾ (التين: 4-5) بدل أن يهبط بها إلى الوحل والطين، وإذا ما تربَّى الناس على هذا السموِّ والرفعة فلن يكون هناك إبداعٌ مسفٌّ هابطٌ، وإنما إبداعٌ راقٍ سامٍ نظيف.


ونختم جولتنا بجريدة (الأهرام)؛ حيث نشرت يوم الإثنين 16 أبريل 2007م تحت عنوان "الكواكبي والدولة المدنية"؛ حيث يواصل الكاتب هوايته المحبَّبة إلى نفسه، والتي أظن أنه لا يحسن غيرها هروبًا من عجزه عن ممارسة تخصصه في مجال الأدب والنقد؛ إذ نراه بعد أن هاجمه شيخ الأزهر ونهاه أن يتكلم عن "مخاطر الدولة الدينية" يلفُّ ويدور حول هذه المعاني ولو تحت عناوين مختلفة، ويشير كثيرًا إلى الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، ويحاول أن يسقط هذه المعاني (1) الملك فؤاد والدعوة إلى الخلافة (2) وكذلك السادات وتحالفه مع الإخوان للقضاء على خصومه من أهل اليسار.

 

ونحن على يقين بأن الكواكبي بريءٌ من الفهم الخاطئ الملتوي الذي يلبسه إياه كاتبُنا الذي يكرِّس كل جهده لخدمة العلمانية المتطرِّفة التي تستر فكرًا ماركسيًّا شيوعيًّا ملحدًا، ويتصدَّى لكل ما مِن شأنه إعلاء النموذج الإسلامي الصحيح المعتدل الوسطي ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية32)..

وبالله التوفيق.