طالعتنا جريدة (الأهرام) يوم الأربعاء 11/4/2007م في صفحة (26)، بعنوان غاية في الفزع والغرابة يقول: "مجمع البحوث الإسلامية يستغيث برئيس الجمهورية" لإيقاف الافتراءات الإعلامية ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته.
وقد هالني وأفزعني- ككل المسلمين في كل مكان- هذا العنوان الصارخ، الذي يحمل إهانةً لكل المسلمين، ويستفزُّ مشاعرَهم ويستجيش غضبَهم، ويصيب الجميع بحسرة وخيبة فيما وصل إليه حالنا في مصر.
فعندما يُسَب صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى الأخص أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، وكذلك كبار رواة الحديث كالبخاري وأبي هريرة، وعندما تُشتَم أمهات المؤمنين زوجات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مثل عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم.. عند ذلك لا تَجِدْ مؤسسةُ الإسلام الكبرى في العالم الإسلامي مثل "مجمع البحوث الإسلامية" الذي يرأسه شيخ الأزهر مناصًا من توجيه صَيحة مدوِّية من خطورة ما يحدث ويتم في مجال الصحافة والإعلام؛ تحذيرًا من ترك الساحة خاليةً يعبَث فيها المخرِّبون، ويروِّج أصحاب النفوس المريضة والأفكار المشوَّهة لآرائهم التي عفا عليها الزمن، ويحاولون أن يُحيوا آلامًا قد سكنت وينكؤوا جراحًا قد اندملت.
يقول الخبر المنشور: إن المؤسسة الدينية في مصر قرَّرت إرسال استغاثة إلى رئيس الجمهورية، واتخذت هذا القرار بعد مناقشات مغلقة استمرت عدة ساعات، تم خلالها استعراض أرشيف "البذاءات" التي دَأَب عددٌ من الصحف المستقلة في الفترة الأخيرة على توجيهها لكبار الصحابة.
ولقد تجمَّع لدى مجمع البحوث الإسلامية كمٌّ هائلٌ من هذه التجاوزات والآثام التي ذهبت إلى أبعد من حدود الصحابة- رضوان الله عليهم- وذهبت إلى دائرة كانت تعتبر "خطًّا أحمر" لا يجوز الاقتراب منه أو الخوض فيه؛ حيث وصلت لدرجة النَّيل من نزاهة وعدل رسول الله ووصفه بأنه كان محابيًا لأقاربه.
عندما تَطَاول بعض رسَّامي الكاريكاتير في صحف الدانمارك وأساؤوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقامت الشعوب الإسلامية، وعمَّت المظاهرات كل مكان، وتكاثرت الاحتجاجات مندِّدةً بهؤلاء الذين تجرَّؤوا على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهبت الوفود الكبيرة لتقديم هذه الاحتجاجات إلى سفارات هذه الدولة في بلادهم.. قلت في نفسي وقتها: من حق جماهير المسلمين أن تثور على هذه التصرُّفات المعادية للإسلام وللمسلمين، والتي تنالُ من قداسة رسولهم الأعظم- صلى الله عليه وسلم- ولكن ما بال هذه الملايين لا تفعل شيئًا مهمًّا في داخل بلادهم الإسلامية؟!
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم يُسَبُّون ليلَ نهارَ، تُكال لهم التُّهَم، وهم الأطهار الأنقياء الأتقياء، أمَا كان من الأولى أن تثور هذه الجماهير على العدوِّ المحليِّ؟! ذلك العدو الذي يعيش بيننا ويتحدث بلساننا، وربما يتسمَّى بأسماء المسلمين، ويصلي صلاتهم.
يقول الشيخ عمر الديب (وكيل الأزهر): إن هناك أقلامًا مسلمةً من داخل مصر تُخرِّب وتُفسِد في الدين وتتهم النبي الكريم وتسيء إلى صحابته الذين دعانا إلى الاقتداء بهم، ووصفهم بأنهم "نجوم"، في حين يصفهم هؤلاء بأنهم "مجرِمو حرب" ومنهم من بُشِّر بالجنة في حياته!!
إن طابور المنافقين الجدُد أو الذين يحملون لواء العلمانية ويدعون إلى فصل الدين عن الحياة ويتطرَّفون غاية التطرف في محاولة إقصاء الإسلام عن كل المجالات، وتحسُّ بأنهم يتخذون ذلك دينًا وعقيدةً.. هم أخطر على الإسلام من الأعداء الظاهرين؛ لأنهم من جلدتنا ويتحدثون بألسنتنا، ثم تراهم يوجِّهون طعناتهم القاتلة للإسلام وشريعته، ويلطِّخون سُمعةَ رموزه القديمة والجديدة على السواء، إن صفة النفاق تنطبق على هؤلاء.. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ (آل عمران: من الآية 154).
وربما كان في هذه الصفة نوعٌ من الأدب من قِبَل المنافقين؛ حيث أصبحوا يُبدون آراءهم في غاية البجاحة والفجاجة، ولا يكتمون في نفوسهم شيئًا؛ حيث هم الآن في مأمن والسلطات الأمنية والسياسية أصبحت محايدةً لا تتعرَّض لهؤلاء المنافقين، وليس هناك قانون يخضعون له في هذه النواحي، بل إن من يتطاول على شخصية مرموقة كرئيس الجمهورية مثلاً يحكم عليه بالسجن، ولا نمانع في ذلك، ولا نحبِّذ الفوضى أو القذف في حق الناس، مهما كانت أقدارهم، وإنما نحب أن يُحاسَب كذلك كلُّ من يخوض في حق الصحابة وينالهم بالاتهامات والسبِّ والشتم.
ويحاول العلمانيون أن يتستَّروا بحرية الإبداع وحرية التعبير واحترام رأي الآخر، ويستغلوا هذه المعاني أو الاصطلاحات أسوأ استغلال، ويتخذوا منها سهامًا سامَّةً كي يدمروا بها القيم والفضائل والآداب والأخلاق، ويطعنوا في الدين نفسه؛ ليصلوا إلى مبتغاهم الحقيقي، وهو إزاحة الدين واستئصال شأفته وإقصائه عن واقع الحياة.
ألم يقل لهم معلمهم الأكبر: "إن الدين أفيون الشعوب"؟! ألم يحاول أسيادهم من قادة الفكر الماركسي الشيوعي التخلُّص من المسلمين في كل بلادهم التي كانت تحت براثن الاتحاد السوفيتي؟! ألم يعتبروا أن معركتهم الحقيقية مع الإسلام؟!
هؤلاء العلمانيون ظاهرًا، الشيوعيون الملحدون حقيقةً، هم الذين يروِّجون لما يسمونه خطأً "حرية الإبداع" ويصيحون صيحاتٍ مدويةً عندما يناقش الأزهر أو غيره فكرةً من أفكارهم المخرِّبة، أو لوثةً من لوثاتهم العقلية، ويحاول "الأزهر" أن يردَّهم إلى الصواب والبعد عن الشطط وعدم الاصطدام بقيم الإسلام وثوابته وأصوله.
ومجالات الإبداع كثيرة ومتنوعة، وحياتنا نحن المسلمين في أشد الحاجة إلى الأفكار المبدعة والرؤى الخلاَّقة التي تُخرج المسلمين من حيِّز الانغلاق والتخلُّف والتبلُّد الذهني الذي ساعدت عليه عصور القهر والاستبداد والظلم والقمع، سواءٌ على يد الاستعمار أو حلفائه وعملائه.
فلماذا لا يتجه الإبداع إلى ترقية الحياة والرقيّ الأدبي والماديّ الذي لا يقف الإسلامُ إطلاقًا حائلاً دونه؟! ولماذا لا يعالج كثيرًا من أمراضنا الاجتماعية والنفسية والسلوكية والحياتية التي نشكو نحن المهتمين بأمور الدعوة والإسلام منها، ونراها عقباتٍ في سبيل النهوض بأمتنا حتى تأخذَ مكانها بين الأمم الناهضة؟!
ونعود إلى موضوعنا الرئيسي وهو سبُّ الصحابة والطعن في عدالة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنقول إنه يتعيَّن على جميع من يهمُّه أمر هذا الإسلام العظيم والذي ورثناه عن أهل السنة والجماعة وتخلَّقنا بأخلاقه الكريمة أن نخدم دعوته هذه ما كان لنا نفسٌ في الحياة، وأن نتصدَّى لكل من يريد النَّيل من هذه العقيدة، طبعًا بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث لا نقرّ العنف في هذه المجالات ولا غيرها، وأن نزيل جهالة المسلمين بدينهم، ونوضح لهم الحقائق وأمور الإسلام وتاريخه.
ولا نغفل نقطةً مهمَّةً جدًّا وهي: نشأة الفرق والطوائف والروافض التي نشأت في بلاد المسلمين في ظروف تاريخية ساعدت عليها، ولا بد أن تنتهي بنهاية هذه الظروف، وأن يعود الجسم الإسلامي بعد ذلك معافًا صحيحًا سليمًا، وإن استرجاع أحداث تاريخية مضت عليها هذه القرون الطويلة لا يخدم مصلحة الإسلام والمسلمين، وإنما يصب بالفعل في مصلحة أعداء الأمة.
ويجب أن ينتبه الجميع إلى خطورة هذه الأفكار والفتن التي نعلم علم اليقين أن وراءها في الماضي أو الحاضر القُوى التي تريد أن تفتِّت وحدة المسلمين وتشتِّت قواهم، وما دور عبد الله بن سبأ اليهودي في هذه الفتنة في أول عهدها ببعيد!! وما دور خلفائه في هذه الأيام كذلك ببعيد!!
ونحن الذين يملأ قلوبَنا حبُّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحبُّ صحابته رضي الله عنهم، علينا أن نغرس هذا الحب والتقدير والاحترام في الأمة متعاونين مع كل أهل الخير من العلماء ورجال الإعلام وأصحاب الأقلام والمفكِّرين، ونتحرَّك معهم جميعًا حركةً دائمةً لإيقاف هذه الحملة المخططة والمموّلة، ونردَّها على أعقابها، ولن يصحَّ إلا الصحيح.
وسيبقى الإسلام دائمًا أبيًّا شامخًا صحيحًا سليمًا، ينفي الخبث ويُزيح الدخيل، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويكمل مسيرته، فهو سبحانه قد حفظ هذا الدين في مصدريه: كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9) "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا.. كتاب الله وسنتي عَضُّوا عليها بالنواجذ".
فهل يمكننا أن نؤدي هذه الأمانة.. أملنا في الله وفي عونه كبير..
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل