تتقاطع التطورات الميدانية والسياسية في مشهد إقليمي متسارع، مع اتساع نطاق المواجهة بين إيران والكيان الصهيوني، بالتوازي مع مواقف أمريكية متذبذبة بين التهدئة والتصعيد، ما يعكس تعقيد مسار الحرب وتداعياتها على المنطقة.
ميدانيًا، تسبّب صاروخ برأس انشطاري، صباح الثلاثاء، في اندلاع حرائق واسعة وأضرار مادية في عدة مواقع داخل منطقتي بني براك وبيتح تكفا في تل أبيب، عقب استهداف إيراني مباشر.
وأظهرت مشاهد متداولة احتراق عدد من المركبات في أكثر من موقع، في حين تحدّثت وسائل إعلام صهيونية عن تسجيل ست إصابات، وفق ما نقلته عن طواقم الإسعاف.
وبحسب المصادر ذاتها، سقطت قنابل انشطارية على عدد من المباني، ما أدى إلى تضرر بعضها، بينما سارعت قوات الاحتلال إلى تطويق المناطق المستهدفة ومنعت الوصول إليها، خشية وجود ذخائر لم تنفجر بعد.
حسابات مضيق هرمز
في المقابل، تتواصل الحسابات السياسية الأمريكية المرتبطة بمسار الحرب، إذ كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران حتى في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز جزئيًا، مع تأجيل مسألة إعادة فتحه إلى مرحلة لاحقة.
وأوضحت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية ترى أن محاولة فتح المضيق في الوقت الراهن قد تؤدي إلى توسيع رقعة النزاع بما يتجاوز الإطار الزمني المحدد للحملة، والذي يتراوح بين أربعة وسبعة أشهر، ما دفعها إلى التركيز على أهداف عسكرية محددة، أبرزها إضعاف القدرات البحرية الإيرانية وتدمير مخزونها الصاروخي، إلى جانب مواصلة الضغوط الدبلوماسية.
وفي حال تعثرت هذه الجهود، تعتزم واشنطن دفع حلفائها في أوروبا ودول الخليج إلى لعب دور أكبر في تأمين الملاحة، مع إبقاء خيارات عسكرية إضافية مطروحة، وإن لم تكن أولوية في المرحلة الحالية.
غير أن تصريحات ترامب الأخيرة تعكس تناقضًا واضحًا، إذ عاد ليهدد بتصعيد واسع، متوعدًا بـ”محو” جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية لإيران، في حال لم يُفتح مضيق هرمز سريعًا أو لم تفضِ المفاوضات إلى نتائج. وكتب عبر منصته "تروث سوشال" أن بلاده قد تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية في إيران إذا فشلت المساعي الجارية.
ويأتي هذا التصعيد اللفظي بالتوازي مع تعزيزات عسكرية أمريكية في المنطقة، شملت دخول حاملة الطائرات "يو إس إس تريبولي" وانتشار وحدات من مشاة البحرية، إضافة إلى أوامر بنشر عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوًا، مع بحث إرسال قوات إضافية.
وساطات تواجه أزمة ثقة
في السياق، أكد سفير باكستان لدى واشنطن رضوان سعيد شيخ أن نجاح وساطة بلاده في إنهاء الحرب المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران مرهون بقرارات أطراف النزاع.
وقال شيخ -في تصريحات لفوكس نيوز الأمريكية- إن بلاده تواصل دورها كوسيط، مشيرا إلى أنه على الأطراف المتنازعة اتخاذ قرارات تضمن نجاح المفاوضات.
وجاءت هذه التصريحات بعد ما وصف متحدث وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي المقترح الأمريكي المكون من 15 بندا بأنه يتضمن في معظمه “مطالب مبالغا فيها وغير واقعية ولا منطقية”.
وأشار بقائي -في مؤتمر صحفي بطهران أمس الاثنين- إلى أن المسئولين الأمريكيين يغيِّرون مواقفهم باستمرار ويُصدرون تصريحات متناقضة.
وفيما يتعلق بالمباحثات التي تجريها باكستان مع الدول المجاورة، قال بقائي إن "جهود الدول الإقليمية والجوار في مجال السلام والأمن أمر تُشكر عليه، لكن اجتماعات باكستان مع الدول المجاورة تتم ضمن إطار خططها الخاصة، ونحن لسنا جزءا من هذا الإطار”.
في الأثناء، نقلت شبكة "سي إن إن" عن مسئولين أمريكيين وخليجيين قولهم إنه "ليس من الواضح للمسئولين الأمريكيين ما إن كانت شخصيات النظام الإيراني -التي تتلقى رسائلهم عبر باكستان وتركيا- تتمتع بالسلطة النهائية للموافقة على أي اتفاق سلام، ناهيك عن تنفيذه”.
كما نقلت الشبكة عن مصدر وصفته بالمطلع قوله إن بعض المسئولين في النظام الإيراني -في المقابل- لا يثقون في الولايات المتحدة؛ بعد أن أُجهضت جولات دبلوماسية سابقة جراء هجمات أمريكية.
وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قالت إنه لم يتم -خلال واحد وثلاثين يوما من الحرب- إجراء أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن ما حدث هو طلب للتفاوض جاء مرفقا بمقترحات أمريكية، وقد صل إلى طهران عبر بعض وسطاء بينهم باكستان.
ويعكس هذا التداخل بين التصعيد الميداني والرسائل السياسية المتناقضة، حالة من عدم اليقين بشأن مسار الحرب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاقها إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الإقليم.