الصورة غير متاحة

 سيد نزيلي

في حوار طريف دار بين طالبة محجَّبة في الجامعة وبين أستاذها أثناء امتحانها شفويًّا في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.. قال الأستاذ بشيء من التهكُّم: ما هذا الغطاء الذي تضعينه فوق رأسك؟! وأردف قائلاًَ: إن هذا رمزٌ من رموز التخلُّف والرجعية، فردَّت عليه الطالبة بغاية الأدب والاحترام: وهل اللباس أو غطاء الرأس فيه دلالةٌ على التقدم أو التخلُّف؟!
والمدنية أو الرجعية؟ فلما أجابها الأستاذ بالإيجاب (ويبدو أنه من الجيل الذي تربَّى على الفكر الغربي ومفتونٌ به) ردَّت عليه بشيء من المعقولية والمنطق: لو كان مقياس التقدم بالتخلُّص من غطاء الرأس والتخفُّف من الملابس لكشْف أجزاء من الجسم.. لكان الناس الذين يعيشون في أواسط إفريقيا (وهم عرايا تمامًا) أكثر الناس تقدُّمًا وتحضرًا!! وانتهى الحوار.

 

يُذكِّرني ذلك بآخر ما كتبه الدكتور جابر عصفور في (الأهرام) بتاريخ 19/3/2007م بعنوان (تحذير لا بد منه) وهو بصدد التخويف من تصاعد حضور جماعات الإسلام السياسي التي لا فرقَ بين صقورها وحمائمها، كما يدَّعي؛ حيث أعرب عن عدم رضاه عن ظاهرة التديُّن في الشارع المصري عمومًا، وارتفاع معدلات المحافظة "الحجاب واللباس" خصوصًا، وكذلك في العادات الاجتماعية المستجدَّة التي تشمل السلوك والأزياء على السواء، مقترنةً- كما يدَّعي- بارتفاع مظاهر القبح وتقلُّص الإحساس بالجمال وتذوُّقه عن الجماهير، ويَعتبر الكاتب أن الحجاب الذي ينتشر في الشارع المصري هو تمييزٌ ضد المرأة، وأنه جاء على نحو غير مسبوق.

 

وهو يتألم ويأسى لهذه الظاهرة التي لم يكن يراها في الستينيات وما قبلها على أوجه الشابَّات قد أصبحت على رءوس الأغلبية من الفتيات في كل مكان منذ السبعينيات الساداتية كما يدَّعي.

 

وما كنت أحب أن أتكلم في هذا الموضوع لولا أنه جاء ضمن موضوعاتٍ أخرى شديدة الصلة بالحياة الإسلامية التي نريدها لأمتنا حتى تنجوَ من عوامل التخلُّف والفساد الذي ينتشر فيها وتهوي إليه، وهو تخلُّفٌ ليس للإسلام فيه دخلٌ ولا سبب، وإنما هو بفعل الإبعاد قسْرًا عن المعيشة الحقيقية في ظلال العقيدة الصحيحة والتطبيق السليم للإسلام، والجري واللهث خلف الغرب، نأخذ قشور الحضارة وليس لُبابها ومظاهرها التافهة وليس مضامينها الحقيقية.

 

إن الكاتب الذي أشرنا إليه يقول عن ظاهرة الحجاب المنتشرة منذ بداية السبعينيات إنها "غير مسبوقة"، وأعجب أشد العجب من كلامه!! فهل يقصد أن الشعب المصري المسلم شديد التدين كان على مدار القرون الطويلة منذ دخل الإسلام مصر بل وحتى منذ القرون الفرعونية السحيقة.. كان "التبرُّج" والتخفُّف من لباس الرأس والبدن هو الأغلب الأعم ولم ينتبه أحدٌ إلى الحجاب والحشمة في الملبس إلا أخيرًا وفقط؟!

 

لا شك أن هذا التفكير عند الكاتب فيه تعسُّف وتطويعٌ وليٌّ للحقائق التاريخية وبُعدٌ عن الموضوعية التي يتشدَّق هو وأمثاله بها؛ إذ إن الحجاب عند المرأة المسلمة في مصر وغيرها كان هو الظاهر والأغلب، وظل ذلك إلى ثورة عام 1919م؛ حيث بدأت بعد ذلك الدعوة إلى التحرر، ويا ليته كان تحرُّرًا من الاستعمار وتحريرًا للوطن!! إنما كانت الثورة على الحجاب ولباس المرأة وليدةَ التوجُّه إلى التغريب وتقليد المرأة الغربية الأوروبية؛ إذ بمجرد أن عاد زعيم الثورة سعد زغلول إلى ميناء الإسكندرية من المنفى حتى قام بخلع حجاب زعيمة النساء اللاتي كنَّ في استقبال الفاتح العظيم، واعتبر ذلك بدايةً للتحرُّر من قيود الحجاب، وبدايةَ عالمٍ جديدٍ من التحرُّر والانطلاق من كلِّ القيود كما يدَّعي المخدوعون، وكان ذلك تحت سمع وبصر المستعمر.

 

إذن ظاهرة الحجاب الموجودة الآن هي صحوةٌ ويقظةٌ للأمة لاستئناف حياتها من جديد نحو حضارة أصيلة عندنا مقوّماتها وأصولها التي نأخذ بها بإذن الله نحو ال