بقلم: د. عبد الله فرج الله
 
 الصورة غير متاحة

  د. عبد الله فرج الله

الحديث عن علو الهمة ضرورة ملحة، تدعو إليها طبيعة الحياة، وحقيقة الدين الذي نحمل رسالته، وفظاعة الواقع الذي نعيش.

 

أما طبيعة الحياة فإنها مقرونة بالمشقة، محفوفة بالصعاب، مرهونة بالأعباء، لا تتحقق فيها الغايات إلا بالسعي المتواصل، والسهر وكثير من التعب، وما أكثر الذين يتحدثون- حين يقطفون ثمار نجاحهم- عن صعوبات الرحلة وتحدياتها، وكيف أنهم بذلوا جهودًا مضنيةً، وحرموا أنفسهم كثيرًا من الملذات والمتع، وأنهم منعوا أنفسهم الراحة، وألزموها السهر والتعب.. فغدت هذه المفردات بعد قطف الثمرة أنشودةً عذبة، وقطعةً نادرة، لا تُنسى مفرداتها، ولا تغيب لحظاتها؛ لأنها مهَّدت الطريق، ويسَّرت السبيل، إلى مجدٍ تليد، وراحة عظيمة.

 

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها              تنال إلا على جسرٍ من التعب

فالإنجازات العظيمة، والفتوحات الكبيرة، لا تتحقق إلا بسلاح علو الهمة، الذي من متطلباته التعب والجد.

 

ذريني أنل ما لا ينال من العلا            فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة           ولا بدَّ دون الشـــهد من إبر النحـــل

ولقد أكد صناع الحياة هذا، فهاهم يحدثوننا عمَّا بذلوه في طريق المجد والعلياء:

ذريني وأهوال الزمان أعانيها             فأهوالها العظمى تليها رغائبه

وما أكثر الذين يعضون أيديهم ولا أقول أصابعهم ندمًا وحسرةً حين تفوتهم الحياة، يوم قدموا الراحة على التعب وقت التعب، والنوم على السهر، وقت السهر، وآثروا المتع والأهواء على شقة المعالي.. وقت طلبها.

 

وليس أخو الحاجات من بات نائمًا            ولكن أخوها من يبيت على وجل

وجميل ما قاله ابن نباتة السعدي- رحمه الله- مقررًا هذه الحقيقة ببيت من الشعر الرائع يقول فيه:

يفوت ضجيع الترهات طلابه            ويدنو إلى الحاجات من بات ساعيًا

والترهات هي الأباطيل والأماني الكاذبة، ومعنى البيت: "لا يدرك غايته إلا الساعي المجد، أما الذي يعلل نفسه بالأماني الكاذبة، ولا يُشمِّر عن ساعد الجد في سبيل الحصول عليها فعاقبته الحرمان".

 

وليس الرزق يأتي بالتمني             ولكن ألق دلوك في الدلاء

تجئك بملئها يومًا، ويومًا              تجئك بحمأةٍ وقلـيل مـاء

وتعظم الحسرة والندامة، حين تفقد أدوات علو الهمة، وقد ملكتها حينًا من الزمن، كنت في غفلة عنها، مفرطًا فيها، وحال أبي النواس في آخر عمره، كحال الكثيرين منا، فإنه حال يُجسِّد أحوالاً تتكرر، ونفوسًا لا تتغير..

 

دبَّ فيَّ السِّقام سفلاً وعلوًا          وأراني أموت عضوًا فعضوا

ذهبت جدَّتي بطاعةِ نفسي