العدل من أهم أسس النظام الإسلامي، وهو قاعدة تلزم المسلمين جميعًا، كُلاٍّ في مجاله، وخصوصًا الحكام، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية 58).
والعدل في الإسلام ليس عدلاً سطحيًّا، أو شكليًّا، ولكنه عدل سليم وعميق، ولا يسمح لصاحبه أن يحيد قيد أنملة، أو يسمح لعاطفته أن تغلب عليه مدفوعًا بحقد أو نقمة أو غير ذلك. يقول تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).
وقد ذكر- سبحانه وتعالى- أن العدل هو الشريعة التي قامت عليها رسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- وقامت عليها النبوات السابقة، والكتب المنزلة جميعًا، كما نرى في قوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد: من الآية 25)(1).
والعدل في الإسلام ذو مفهوم شامل لا يقف عند حد، ولا يعجز أمام قوي لقوته، ولا يهون من شأن ضعيف لضعفه، بل القوي في الإسلام ضعيف إلى أن يؤخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى يؤخذ الحق له(2).
وأهم ألوان العدالة نوعان:
العدالة الاجتماعية: وهي التي تقتضي أن يعيش كل واحد في الجماعة المعيشة الكريمة، غير محروم ولا ممنوع، وأن يمكن من استغلال مواهبه بما يفيد شخصه، وبما يفيد الجماعة، ويكثر إنتاجها.
وهناك العدالة القانونية: وهي تقتضي أن يطبق القانون على الجميع على سواء، لا فرق بين غني وفقير، ولا لون ولون، ولا جنس وجنس، ولا دين ودين، بل الجميع أمام القانون سواء، فلا تفاضل بين الناس في التطبيق القانوني، إنما التفاضل بالقيام بالفضائل الإنسانية.
وقد شدد النبي- صلى الله عليه وسلم- في تطبيق الأحكام الشرعية، ومنع أن يحابي الحسيب النسيب، ويظلم الضعيف غير النسيب، وقد اشتد على أسامة بن زيد حينما أراد أن يستشفع لامرأة نسيبة شريفة سرقت، وقال قولته الخالد: "... إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريفُ تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها".
وفي العقوبات نظر الإسلام نظرات أخرى لم يسبق بها نظام، ولم يلحق به إلى الآن نظام، وذلك أنه بالنسبة للعقوبة قرر أن الجريمة أكبر من المجرم الكبير، والعقوبة تناسب الجريمة، فيجب أن تكبر مع كبر المجرم.
ولقد وضح ذلك وضوحًا تامًّا بالنسبة لعقوبة العبيد وعقوبة الأحرار، فإنه جعل عقوبة العبد بالنسبة للعقوبات التي تقبل القسمة على النصف من عقوبة الحر؛ ولذا إذا زنى الحر جلد مائة جلدة، وإذا زنى العبد جُلد خمسين جلدة، وإذا شرب الحر خمرًا جُلد ثمانين جلدة، والعبد يجلد أربعين. وكذلك الأمة عقوبتها على النصف من عقوبة الحرة، ولقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ﴾ (النساء: من الآية 25).
أما القانون الروماني فقد كان عكس ذلك تمامًا، فالزنى من العبد يوجب القتل، والزنى من عضو الشيوخ يوجب غرامة مالية. وإن نظرة صغيرة تبين أن حكم الرومان ظلم لا عدل فيه، وحكم الإسلام هو العدل الحقيقي؛ وذلك لأن الجريمة في ذاتها هوان نفسي، والعبد مهين بمقتضى ملكية رقبته، ومن يهن يسهل الهوان عليه، فمن هبطت نفسه تتجه نحو الإجرام، أما الكبير ذو الخطر والشأن فإنه لا هوان عنده، فارتكابه الجريمة لا يكون إلا بانحدار شديد من مكانته إلى مستوى هبوط الجريمة، فكانت الجرمية منه أكبر خطرًا، وأعظم أثرًا، وأوغل في الإيذاء النفسي والاجتماعي، فلا شك أن زنَى ذي الخطر تحريض لمن هو دونه، وزنى من لا شأن له لا يحرض أحدًا، وكبرت معه العقوبة بكبره أيضًا (3).
وقد يكون الشارع في تنصيفه لعقوبة العبد قد رَاعَى غلبة الجهل على العبيد، كما أنهم يُغلبون على أمرهم من أسيادهم، فإرادتهم إن لم تكن مسلوبة فهي غير كاملة أو ضعيفة، وليس لهم في المجتمع مكانة أو وجاهة تردعهم وتزجرهم عن الفحشاء والمنكر.
الحرية والعدل قيمتان عظيمتان كانتا من أهم القيم في الإسلام، وهما بمثابة سياج يحمي صاحب الرأي وهو يفكر ويقول معبرًا عمًا يعتقد أنه الحق، ولو كان ذلك مخالفًا ومناقضًا لرأي من يعلوه مقامًا، ويفوقه جاهًا وقوةً وسلطانًا. وفي هذا الجو "الحر" يعارض من يعارض وهو يستشعر الأمان الكامل؛ لأنه يعلم أن هناك "عدلاً" يجعله وحاكمه أمام القانون سواء، بل يجعله في المكان الأعلى معارضًا ما بانت له حجة، ونهض له برهان.
قتل الهرمزان
كان الهرمزان من أشهر قادة الفُرس وأعظمهم، فلما فتح المسلمون "تستر" أسروه، وقدموا به إلى عمر في المدينة، فلما رآه قال:
أعوذ بالله من النار، وأستعين الله.. الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشياعه، يا معشر المسلمين: تمسكوا بهذا الدين، واهتدوا بهدي نبيكم، ولا تبطرنكم الدنيا فإنها غرارة.
ودار بين عمر والهرمزان الحوار التالي:
- هيه يا هرمزان؟!! كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة أمر الله؟! تكلم.
- أكلام حي أم كلام ميت؟
- تكلم فلا بأس.
- يا عمر!! إنا وإياكم- معشر العرب- ما خلَّى بيننا وبينكم كنا نقتلكم ونقصيكم(4) إذا لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم لم تكن لنا بكم يدان(5).
- إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا. ما عذركم وما حجتك في انتقاضك(6) مرة بعد مرة؟
- أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك.
- لا تخف ذلك [وطلب إناءَ ماءٍ ليروي به عطشه، فلما أتوه بإناء الماء أخذت يده ترتجف]، وقال:
- إني أخاف أن أُقتل وأنا أشرب الماء.
- لا بأس عليك حتى تشربه.
فأكفأ الهرمزان الإناء، وأراق الماء، فقال عمر- رضي الله عنه-:
- أعيدوا عليه، ولا تجمعوا عليه الموت والعطش.
- لا حاجة لي في الماء، إنما أردتُ أن أستأمن به.
- إني قاتلك.
- قد أمنتني.
- كذبت.
فقال أنس بن مالك: صَدَقَ يا أمير المؤمنين. قد أمنته.
قال عمر:
- ويحك يا أنس! أنا أُؤَمِّنُ قَاتِلَ محزأة بن ثور السدوسي، والبراء بن مالك؟ والله لتأتين بمخرج(7) أو لأعقابنك!
قال أنس:
- قد قلت له: لا بأس عليك حتى تخبرني. وقلت: لا بأس عليك حتى تشربه.
وأمْن الحاضرون على كلام أنس. فأقبل على الهرمزان وقال:
- خدعتني، والله لا أنخدع إلا لمسلم.
فأسلم "الهرمزان" وفرض له ألفين، وأنزله المدينة(8).
فالهرمزان أحد قادة الفرس الأفذاذ، وعلى يديه استشهد عدد من الصحابة الأجلاء، وكان كثير النقض للعهود والنكث بالوعود، وهذا يعني أنه ليس أسيرًا عاديًّا، بل هو من قبيل من يُسمَّون في عصرنا "بمجرمي الحرب" الذين يحاكمهم أعداؤهم ما أسروا أو استسلموا، وغالبًا ما يكون الحكم إعدامًا، كما فعل الحلفاء مع كثير من أسرى الألمان بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية.
وخَدَعَ الهرمزان عمر- كما رأينا في الحوار الذي دار بينهما- وهَمَّ عمر بقتله، ولكن واحدًا من علماء الرعية يتصدى للخليفة معارضًا ليلزمه بأمانة الوعد، ويؤيد الحاضرون أنس بن مالك في هذا التصدي، ويصدع الخليفة للعَدْل، فليس فوق العدل، ولا بعد العدل سلطان.
--------------
الهوامش:-
(1) انظر للإمام محمد أبي زهرة: العلاقات الدولية في الإسلام، ص 34- 36.
(2) انظر خطبة أبي بكر بعد أن بويع بالخلافة: جابر قميحة: أدب الخلفاء الراشدين، ص 35.
(3) انظر بتفصيل: محمد أبا زهرة: تنظيم الإسلام للمجتمع، ص 30- 35.
(4) أي: نطردكم ونبعدكم ونلجئكم إلى الفرار.
(5) أي: عجزنا عنكم ولم نطق قتالكم.
(6) غدرك ونكثك.
(7) أي: بدليل تؤيد به ما تقول من أنني أمنته.
(8) البلاذري: فتوح البلدان، ص 374.
---------------