بقلم: عبده مصطفى دسوقي*

مرت ذكرى المهندس الصروي في هدوء، كما كانت حياة الرجل، فلم يلتفت أحد إلى أن الذكرى الأولى على رحيله قد حلَّت، والذي دفعني للكتابة دافعان كان الأول دافع الأبن لأبيه، والثاني دافع التلميذ لمعلمه، بالرغم من أنني لم أعايش المهندس فترةً طويلةً إلا أنني لمست في سيرته حنان الأب، وشجاعة القائد، وعطف المعلم، وشاهدت جنازتَه، فكانت خيرَ دليل على عظمة الرجل.

 

لقد عاش طيلة حياته خادمًا لدينه، مضحيًا بنفسه وماله في سبيل دعوته، حنونًا عطوفًا في تربية رجاله، معتنيًا بأهل بيته، فضرب بذلك أروع الأمثلة.

 

لقد خرج من معتقله فسارع إلى إخوانه، يضع نفسه وماله في خدمة دعوته، وعمل في محيط إخوانه على نشر مبادئ فكرته، فحمل الدعوة مع إخوانٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وعملوا بها وسط شرائح المجتمع، فآتت ثمارها، وأصبحت الدعوة في كل بيت ومكان، وتنسَّمت الأمة عبيرَها، فهبُّوا لنصرتها في آخر انتخابات برلمانية 2005م، فكانت أثرًا من آثار جهاده مع إخوانه الكرام.

 

عام على رحيله، وكأنه يوم مرَّ على فراقه، فما زال اسمه يتردد وسط إخوانه، وما زالت مواقفه دروسًا عمليةً لشباب الدعوة للدفاع عن إسلامهم ودعوتهم، لقد سَعِدَت ميت غمر دقهلية يوم مولده في أبريل 1943م، وما كانت تشعر بأن أحد أبنائها سيعلو ذكرُه، ويسجَّل في صحائف السماء من الصادقين الأبرار، وإن كانت هذه المحافظة أنجبت عظماء آخرين، أمثال الأستاذ المرشد العام محمد مهدي عاكف، والسيدة الفاضلة زينب الغزالي عليها رحمة الله، وغيرهم ممن جمعهم حب الإسلام والعمل من أجله، وإن كنا لم نذكرهم فيكفيهم فخرًا أن الله يذكرهم.

 

تخرَّج المهندس محمد الصروي في كلية الهندسة جامعة القاهرة عام 1965م، وكان رئيسًا لشعبة الهندسة الكيميائية بنقابة المهندسين العامة، والتحق بركب الإخوان المسلمين إبَّان فترة الجامعة، ابتُلي واعتُقل فصبر وشكر، فكانت محنة 1965م ابتلاءً عظيمًا؛ حيث عذِّب عذابًا شديدًا على يد زبانية هذا العصر، حتى إن آثار التعذيب ظلت على جسده حتى توفاه الله، وبعد الإفراج عنه لم يبخل على دعوته أو إخوانه بوقته ونفسه وماله، ولقد رشَّح نفسه في انتخابات مجلس الشعب عام 1987م ومجلس الشورى عام 1989م، وبالرغم من كبر سنِّه وتكالب الأمراض عليه.. إلا أنه قبل وفاته كان يجوب الدوائر ويشارك في التحضير لانتخابات 2005م، فكنت دائمًا تراه باشًّا في وجه إخوانه، متواضعًا لكبار وصغار الإخوان.

 

فيذكر أحد إخوان الجيزة أنهم كانوا في لقاء وجاءهم المهندس الصروي قبل وفاته بفترة، وبعد انتهاء محاضرته غادر المكان، لكنه فوجئ بأن إحدى عجلات السيارة فارغة من الهواء، وبالرغم من كبر سنه وعِظَم مكانته في قلوب إخوانه إلا أنه استحيا أن يخبرهم، فأنزل الأدوات وأخذ يغيِّر العجلة، حتى رآه أحدهم!! فأسرع إليه ليقوم بهذا العمل، لكن المهندس أبى إلا أن يشاركه في تغييرها.

 

ومن أقواله التي تدل على علوِّ همَّته في نشر دعوته: "إننا لم ندخل الانتخابات لنفوز، ولكن دخلناها لندخل كل بيت وكل شقة لنعرفهم بدعوتنا".

 

رحم الله أستاذَنا المربِّي المعلم، وجعلنا خيرَ خلف لخير سلف على طريق الإخوان المسلمين، وثبَّتَنا على طريق دينه ودعوة الحق، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

 

----------
* باحث ماجستير في التاريخ الحديث

Abdodsoky1975@hotmail.com