إن معنى الإسلام ومقتضاه أن يذعن المسلم ويخضع لله ويطيع أمره وينزل على حكمه راضيًا محبًّا، في كل أمور حياته الظاهر منها والباطن ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162- 163)، وبذلك يبلغ الإنسان مقام العبودية لله الذي من أجله خُلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، وهذا المقام هو أشرف المقامات، فالعبد الحقيقي لله تعالى هو الذي يتحرر من العبودية لكل شيء ولأي شيء، وهو الذي يعيش سعيدًا في حياته ضامنًا لمستقبله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام)، ولهذا قال الشاعر:
وممـا زادنـي شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيَّرت أحمدَ لي نبيًّا
ولقد أثمرت جهود الدعاة المخلصين صحوةً إسلاميةً عامةً قادت المسلمين على صراطِ الله المستقيم، فتطلعوا لحياةٍ إسلاميةٍ كاملةٍ واقتربوا منها بأفكارهم وأخلاقهم وعبادتهم وسلوكهم بل وزيهم، ولا سيما المرأة التي التزمت بالزي الإسلامي، ذلك أنَّ الزي ليس أمرًا مظهريًّا فقط ولكنه جزءٌ من منظومةِ الحياة النظيفة الطاهرة العفيفة التي تكرس الخصائص التي يتميز بها الإنسان ويسمو بها على ما عداه من المخلوقات؛ ولذلك فقد فرض الله تعالى على المرأةِ المسلمةِ أن تلتزم بهذا الزي بنصوص القرآن الكريم حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: 59)، وأكد ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- في سنته حيث قال لأسماء بنت أبي بكر: "يا أسماء إنَّ المرأة، إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه، وأجمع على ذلك علماء المسلمين عبر القرون، وهكذا تضافرت مصادر التشريع الإسلامي الثلاثة الكبرى على فرضيةِ الزي الإسلامي للمرأة؛ ولذلك فلا يسع مسلمًا أن يقول برأيه وهواه في هذه القضية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا﴾ (الأحزاب: 36).
فالقضية ليست عادة من العادات ولا موروثًا من الموروثات، وإنما هي من لُبِّ الشرائع والأحكام والطاعة والإسلام.
ولما كانت هوية الأمم وخصوصياتها تختلف وتتمايز فإنَّ الفضيلةَ والتصون والأخلاق تنهض شامخة كمقومٍ من مقوماتِ حضارتنا وثقافتنا وهويتنا، وللأسف الشديد فبدل أن يقتدي بنا الآخرون في هذا المضمار أو على الأقل يتركونا في حالنا، فإنهم يسعون لتجريدنا من فضائلنا وثيابنا كي نرتكس معهم في مباءة الرذائل والشهوات الحيوانية عملاً بقول قوم لوط ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56)، وهكذا نرى حملات شعواء على زي المرأة المسلمة تتردد أصداؤها في كثيرٍ من دول العالم الغربي، لا تقف عند حدِّ الإعلام والكلام، بل تتعدى ذلك إلى التشريع والتنفيذ، والأدهى والأَمَرُّ أن رياح هذه الحملات الخبيثة وصلت إلى ديارنا، وتلقفها نفر من مسئولينا بعضهم رؤساء وبعضهم وزراء وآخرون يدَّعون العلم والثقافة وراحوا ينفخون في كيرها ويهاجمون الحجاب الإسلامي وينعتونه بأسوأ الأوصاف آمرين بالمنكر ناهين عن المعروف جاهلين بحكمِ الله أو كارهين له في بلدٍ أهله عميقو الإيمان محبون للإسلام ينص دستوره على أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ هي مصدر التشريع، ويضم في رحابه الأزهر الشريف جامعة العلماء حامية الإسلام.
ونحن واثقون- بفضل الله- أنَّ هذه الحملات سوف تأتي بضد مقصودها لأنها سوف تستفز مشاعر التحدي وتزيل غشاوةَ الغفلة عن قلوبِ المسلمات، فيدركن حقيقة ما يُراد لهنَّ من شياطين الإنس والجن في الغرب والشرق، فيعدن إلى الاعتصامِ بحبل الله والامتثالِ لأحكامه وأوامره، بل نشر الدعوة للفضيلة والطهارة بين أخواتهن.
بيد أنَّ هناك أمرًا لا يزال يقلقنا ويقلق كل مسلم غيور ألا وهو ما أصاب زي المرأة المسلمة في الآونة الأخيرة من زينةٍ وبهرجةٍ وضيقٍ والتصاقٍ وتجسيدٍ للأعضاءِ وتشبهٍ بأزياءِ الرجال ناهيك عن المساحيق والأصباغ والروائح والعطور، الأمور التي تخالف الشرع وتُوقع في الإثم وتناقض الحكمة؛ ولذلك فإننا نهيب بأخواتنا الفضليات وبناتنا الكريمات أن يراعين الشروط الشرعية في زيهن حتى يكون إسلاميًّا بحق، وهي تغطية جميع البدن عدا الوجه والكفين، وأن يكون سميكًا لا يشف، واسعًا لا يصف، غير معطر ولا يشابه لباس الرجال ولا يكون مبهرجًا من أجل الشهرة، وليثقن أنَّ طاعةَ الله وتقواه خير لهن وأبقى ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف:26) ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق:2-3) صدق الله العظيم.
------------
* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين