السيد نزيلي

 

بقلم: السيد نزيلي

تموج الساحة الفكرية والثقافية بتياراتٍ غريبة في هذه الأيام.. بعضها يتجه إلى إعادة بناء الأمة على قواعد راسخة من العلم والخلق والقيم والفضائل.. وكل ما من شأنه استنهاض الهمة وشحذ العزيمة.. وبث الأمل في حياة الشباب ليسرعوا الخُطى نحو التقدم والرقي والأخذ بأسبابِ العلم والتطور التقني واللحاق بركبِ الأمم التي سبقتنا كثيرًا وكثيرًا في مجالاتِ البحث العلمي والدراسات النافعة.. والبعض الآخر ينحو نحوًا مغايرًا.. إذ يتجه إلى الثورة على كل ما هو قديم سواء كان نافعًا أو غير نافع، ويشير بإصبع الاتهام إلى دين الأمةِ وميراثها وثوابتها وقيمها وأصول فكرها المتميزة، ويحاول أن ينسلخ من جلده ومكوناته النفسية والوجدانية.. ليقلد الآخر.. ونقصد بالآخر هنا.. الحضارة الغربية بكل ما تحمله من عوامل البناء أو نذر الهدم.

 

وواقع الأمر أنَّ الحضارةَ الغربيةَ قد جاءتنا بأمورٍ إيجابية كثيرة منها أنها قد حررت أهلها منذ أكثر من خمسة قرون من الضلالات والأوهام.. وحررتهم كذلك من سلطة الكنيسة والباباوات التي فرضت على الناس بغير حق قيودًا وأغلالاً ليست من الدين بالضرورة إنما هي الأهواء والشهوات، كما أنَّ هذه الحضارة أخذت بالمنهج العلمي في البحوث.. وارتقت بجوانب الحياة المادية للناس.. ويسرت لهم سبل المعيشة واهتمَّت أشدَّ الاهتمامِ بالرقي المادي.. وبما يعبر عنه بزينةِ الحياة الدنيا.

 

ولا ننسى أنَّ الحضارةَ الإسلاميةَ كان لها أبلغ الأثر في بدايات النهضة الأوربية بل وحتى الآن.. فقد ارتقى المسلمون- بدافعٍ من إسلامهم وعقيدتهم- في كلِّ المجالاتِ العلمية من طبٍ وصيدلةٍ ورياضياتٍ وفلك، ولم يمنعهم الإسلام من الاستفادة من علوم الآخرين، ثم أضافوا إليها الكثير من الابتكارات والإبداع وأطلق الإسلام العقول والطاقات والأفكار لتنطلق دون قيود.. أو حجر على العلماء.. فكان ذلك الفتح العظيم والميراث الضخم الذي نهل منه الغرب بحكم قربهم من الأندلس (إسبانيا) ونتيجةً لمرورهم بالبلادِ الإسلامية أثناء حجهم لبيت المقدس.. أو للعلاقات التجارية بينهم وبين المسلمين.

 

إن كثيرًا مما ينعم به الغرب من ثمار العلم والبحث مرجعه إلى آثار حضارةِ الإسلام وعلماء الإسلام، ولعل الأستاذ البنا قد عبَّر تعبيرًا دقيقًا عن منهج الإسلام في هذه المجالات التي غابت عن كثيرٍ من الباحثين والمفكرين الذين جهلوا الإسلام وساروا في ركاب العلمانية.. فلقد ذكر في الأصل الثالث عشر من أصول الفهم في "رسالة التعالم": "والإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء.. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها".

 

ويذكر الأستاذ البنا كذلك في الأصل التاسع عشر في الرسالةِ المشار إليها : "وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرةِ الآخر.. ولكنهما لن يختلفا في القطعي.. فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة.. ويؤوِّل الظني منها ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالإتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار".

 

جذور العلمانية

كثيرٌ من الذين يسيرون في ركاب العلمانية يجهلون الدوافع التي جعلت أهل أوروبا يطرحون الدين جانبًا.. فلقد خضع الناس في العصور الوسطى لسلطان الكنيسة.. وتحكمات رجال الدين عندهم، ومنعوهم من التفكير العلمي والإبداع العملي حتى إنهم أعدموا العالم (جاليليو) عندما ذهب إلى أنَّ الأرضَ كروية.

 

وللعلم.. فإنَّ العالمَ الإسلامي في ذلك الوقت.. كان في غايةِ التحرر والانطلاق والإبداع العلمى في كافةِ المجالات، ولم تكن العصور الوسطى عند المسلمين إلا عصور تقدمٍ وازدهارٍ واستنارة، بينما كانت في أوروبا عصورًا تتسم بالظلا