بقلم: الدكتور جابر قميحة
إن الهجمة الحيوانية الجنسية على البنات والسيدات وسط القاهرة في أوائل أيام العيد، تلك الهجمة التي شنَّها مئاتٌ من الشباب الساقط في اندفاع بهيمي مجنون.. يُخطِئُ مَن يعتقد أنها وُلِدَت فجائيةً، أو قامت من فراغ، أو أن سببها "حركات" الراقصة "دينا" دعاية لأحد أفلامها، فما قول هؤلاء فيمن لم يشهدوا الراقصة، وكانوا في شارع آخر، واشتركوا في الهجمة الآثمة؟! وما قولهم في وقوع مثل هذه الجريمة في الأيام نفسها في بعض عواصم الدلتا؟!
ونحن نزعم أن هذه الجريمة إنما هي نتيجة طبيعية لتراكمات سلوكية، واجتماعية، وسياسية، ودينية، واقتصادية، ونفسية في العهد المباركي يحكمها الفساد، فجاء تصرف هؤلاء الشباب إما على سبيل "المسايرة" وإما على سبيل "ردّ الفعل"، وما ذكرته إنما هو مدخل أو مقدمة لمقال آخر مستقل إن شاء الله.
ولكني أقدم للقارئ وقائع متفرقة متنوعة من "شخصيات فوقية" وقيادية، وكلها تشترك في خلقِ الجوِّ الذي يعيشه المواطن في عهد مبارك، والحزب الوطني، وكلها- وغيرها كثير- تدفع كل مفكر عاقل إلى القول:
أرى خَللَ الرماد وميض نارٍ وتوشك أن يكون لها ضرامُ
ونقول للمستهينين بما حدث ويستصغرونه:
إذا نحن طامنَّا لكل صغيرةٍ فلا بد يومًا أن تُساغ الكبائرُ
حجازي واحترام الجسد
لنترك الهجوم على الصحابة وعلى أمهات المؤمنين، ولنقرأ في صحيفة (الأهرام) الصادرة في 16/6/1999م "لتنويري" مشهور وهو أحمد عبد المعطي حجازي، يتساءل في غضب: "هل نريد حقًّا أن نحرر عقولنا من الخرافة، ونعالج نفوسنا من الخوف، ونعامل أجسادنا بما هي جديرة به من اعتزاز واحترام؟!".
وتحرير عقولنا واحترام أجسادنا في نظر حجازي لا يتحقق إلا برسم الأجساد العارية، والسماح بإدخال الموديلات العارية إلى كليات الفنون ليرسمَها الطلاب، بل يتمادى حجازي فيدعو الفنان صلاح طاهر وآخرين أن يرسموا له صورةً من هذا النوع العاري "حتى يراه الناس في الواقع، وربما رأوه على نحو أفضل" كما يقول بالحرف الواحد.
وختان الرجال
وكاتبةٌ "تنويرية" تكتب مقالاً تصفُ فيه طالبات الجامعة المحتشمات المحجَّبات بأنهن "لابسات أكفان" وتصف الاحتشام بأنه "ردة حضارية"!!
وصحفية تدعو في برنامج تلفازي إلى أن ننسب الولد رسميًّا وفي بطاقته إلى "أمه" لا أبيه، ولكن الأدهى من ذلك ما أفرزتْه "أمها الدكتورة التنويرية" التي نادت بضرورة تحريم ختان الذكور؛ لأنه- من وجهة نظرها- "عملية وحشية مؤذية وضارة"!! وتصرخ في غضب "كيف تُقطع هذه الجلدة من جهاز الرجل مع أن لها فوائد متعددة؟! كما تقول.
في الأدب والشعر
وأستاذة "مسلمة!!" تدرِّس لطلابها وطالباتها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة روايةً ساقطةً لمغربي ساقط عنوانها (الخبز الحافي) كلها وصفٌ داعرٌ بألفاظ صريحة مكشوفة للأعمال الجنسية الشاذَّة القذِرَة في بيوتِ الدعارة، ودافعت الأستاذة عن نفسها بأن هذه هي الموجة الجديدة في الأدب، وهي موجةٌ يجب أن يستوعبها الطلاب"!!
وهذه الرواية تذكِّرنا برواية لا تقل عنها فجورًا وهي (وليمة لأعشاب البحر) للسوري حيدر حيدر، وقد احتفل "التنويريون" في مصر بهذه الرواية القذِرة، ووصفوا الذين تصدَّوا لها من أمثالي "بالظلاميين.. ضيِّقي الأفق".
وفي هذا الفلك سبحت قصيدة شعرية طويلة اسمها (الوشم الباقي) نُشرت في مجلة أدبية مصرية رسمية، ورأينا ناظمها عبد المنعم رمضان "التنويري" يكرِّر فيها- بإلحاح مفضوح- الأصوات الجنسية السريرية.. أصوات محترفات الدعارة (المكونة من الهمزة والحاء الساكنة- أو الهمزة والحاء "المضمومة المشدَّدة" والواو).
وسيدٌ على قمة مستنقع "التنوير" يكتب فصولاً وفصولاً عن جناية (الغزو الإسلامي لمصر) ويصف جيش عمرو بن العاص- رضي الله عنه- بأنه حملة غزو واحتلال، ويلتقط الخيط شاعر "تنويري جدًّا" فيصوِّر الفتح الإسلامي لمصر بأنه "غزو همجي" ويشبِّه الفاتحين المسلمين بالهَمَج والجراد والغربان، فيقول من كلام طويل:
همجٌ
رمت بهم الصحاري جنةَ المأوى..
تهرّ كلابهم فيها
وتجْأرُ في المدى قطعانُهم
يمشون في سحب الجراد
كأن وجوههم لغربانِ
وأعينهم لذُؤبانِ
وأرجلهم لثيرانِ
يدوسون البلاد
ويزرعون خرابهم في كل واد
أبناء أوزوريس صاروا لليباب
يا أيها الرملُ ارتحل
يا أيها الرملُ ارتحل
واذهب لشأنك يا جرادْ
وفي الإعلام
وفي مقام الإعلام أستعين بالإعلامية الإسلامية المشهورة السيدة "كريمان حمزة" وكتابها (لله يا زمري) فقد شرحت في كتابها مكانة الأستاذ الجليل "عمر عبد الكافي" إمام المصلين في مسجد "أسد بن الفرات" بحي الدقي، وقد ارتفع نجمه ارتفاعًا هائلاً لا يتناسب مع صغر سنه، ولأسلوبه البارع في الدعوة إلى الله أحبَّه الناس، وتدفَّق المصلُّون من كل صَوب وحَدَب خلف هذا الداعية.
وبينما كانت السيدة الفاضلة في مقرِّ عملها إذ حضر إليها واحدٌ من ضباط "أمن الدولة "وقال متجاسرًا بوقاحة: انظري بقى يا مدام كريمان.. بقى عمر عبد الكافي هذا إن لم تلبسه جريمة ضرب الوحدة الوطنية، فهناك قضية دعارة جاهزة ومتفصّلة عليه هيلبسها فورًا.. إحنا مش عايزين له أثر أي أثر.." (لله يا زمري صـ118).
المبشرون بالجنة
وأنتجت السيدة كريمان حمزة ثلاثين حلقةً تلفازيةً عن العشرة المبشرين بالجنة، ونترك الكلام للسيدة كريمان:
"أخبرت السيدة سهير الأتربي بإتمام العمل والمونتاج، ومراجعة الرقابة، فسعَت لوضع البرنامج في وقت جيد.. جُنَّ جنون رئيس التليفزيون، وصاح صارخًا: على جثتي إذاعة العشرة المبشرين بالجنة، "ودارت أحاديث كثيرة يندى لها الجبين بين رئيس التليفزيون ونائب رئيس القناة الثانية، الذي راح بدوره يوصل لي كلمة بكلمة، فمما قاله رئيس التليفزيون:
ماذا لا يكونون اثنين.. أو ثلاثة.. أو خمسة؟! من أين تأتَّى لها الرقم عشرة؟!
- العشرة من أيام الرسول؟! لماذا..؟! مفيش واحد من اليومين دول مبشر بالجنة!! واحد من السلطة مثلاً.. يعني "عاطف صدقي"- رئيس الوزراء- مش مالي عينيها؟ ولاَّ صفوت الشريف مش من المبشرين بالجنة؟!
- الست كريمان موش ذكية بالمرة.. كانت تختار اثنين من الماضي.. واثنين من الحاضر.. لا.. لا والله لن تذاع الحلقات.. ولا على جثتي.
- ده حتى الصحفي "فلان" قال للوزير إن العشرة المبشرين بالجنة كلهم إرهابيون!!
ومُنعت الحلقات اعتمادًا على منطق هذا "الرئيس" العلاَّمة (انظر: لله يا زمري 124- 127).
ولا تسلني أيها القارئ كيف وُضِع هذا "الجهول" في موقع حسَّاس يحتاج إلى رجل عالم حصيف مَوسوعي، يقدِّر الأمور بموضوعية، وأمانة وحسم؟! لا تسلني.. فعندنا من أشباهه كثيرون في مثل هذه المواقع، في بلد تحكمه الدكتاتورية والفساد، بلد جواز المرور فيه "مَن تعرف"؟! لا "ماذا تعرف"؟!
وإن ما قدمنا في هذه الصفحات من وقائع وشواهد يُعَدُّ قليلاً جدًّا من فيوضٍ من السلع الفاسدة، التي يتَّجر بها أدعياء التنوير في سوق الفكر، والسياسة، والأدب، والتي كان من الطبيعي أن يتولَّد منها الهجمة أو الهجمات الجنسية الحيوانية الشرسة؛ مما يهدد وطننا- المحكوم بالدكتاتورية- بالانهيار والضياع.
--------------
* Komeha@memanet.net