بقلم: أحمد إبراهيم*

لم أتوقع أن تحظى مظاهرتنا بـ"الخضار" بمثل هذا الاهتمام والانتشار في مختلف وسائل الإعلام, فمنذ أكثر من ثمانية شهور ونحن نتظاهر ونعتصم ونحتجُّ على إغلاق صحيفتنا، وقطع أرزاقنا، دون أن يسمع لنا أحد أو يلتفت لحقِّنا.

 

"سوق الخضار" الذي نصبناه مؤخرًا أمام مقر نقابة الصحفيين بوسط القاهرة، كان فكرة نسخَر بها من الأوضاع التي وصلت إليها مهنتنا، التي يطلقون عليها "السلطة الرابعة"، رغم ما نالها من مهانة واستهزاء من قبل كل من "هب ودب".

 

لم نتسبَّب في غرق عبَّارة السلام 98، التي راح ضحيتها أكثر من ألف من أهالينا وذوينا, أو نتورَّط في إشعال حريق مسرح بني سويف, أو تهريب أموال البسطاء للخارج, ولم نقف وراء جريمة المبيدات المسرطنة، أو حادث بني مزار, كما لم يكن لنا أي دور في حادث قطارَي قليوب، حتى يتصدَّى رجال الأمن الأشاوس لأقلامنا, ويدبِّر جهاز "تدمير" الدولة- أقصد أمن الدولة- المؤامرات لتكميم أفواهنا، وغلق صحيفتنا.

 

مرتكبو الجرائم السابقة وغيرها لم يحاسَبوا, أو يطارَدوا في أرزاقهم, كما يحدث لسبعين صحفيًّا وإداريًّا يعملون بجريدة "آفاق عربية", أُغلقت جريدتُهم منذ 7 مارس الماضي, وحُجبت رواتبهم منذ ذلك التاريخ, ولم يعبأ بمستقبلهم المسئولون بالمجلس الأعلى لـ"تدمير الصحافة" أو مجلس الشورى، الذي يرأسه صفوت بيه الشريف الأمين العام للحزب الوطني الحاكم، الذي يرفع شعار "الفكر الجديد.. وانطلاقة ثانية نحو المستقبل"، وها هو إغلاق الصحف أولى علامات تلك الانطلاقة!!

 

أما نقيبنا الموقَّر جلال بيه عارف فلم يفعل شيئًا سوى إجراء الاتصالات، وعقد المباحثات التي لم تُسفر عن شيء, وحدِّث ولا حرج عن دور الزميل يحيى بيه قلاش- السكرتير العام- الذي يقول: "على جثتي" إذا حصل صحفيو "آفاق عربية" على شيء من النقابة, وكأنه في حرب ضدنا, وهو كذلك يلعب دورًا مشبوهًا لاستمرار أزمة الجريدة، وإغلاق ملفها بالضبة والمفتاح.

 

الضعف والتخاذل والأهواء الشخصية ضربوا مجلس نقابتنا، الذي بات عاجزًا عن حل مشاكلنا, بل وربما يشارك في تأجيجها, فالمجلس الموقَّر يتباطأ حتى الآن في إحالة محمود عطية للتحقيق، أو التهديد بشطبه, كما يتعنَّت في قبول أوراق أربعة من الزملاء المعيَّنين بلجنة القيد دون أي مبرر, وفوق ذلك يتلاعب بمستقبلنا وأرزاقنا، ويشارك في مأساتنا, ثم يطالب بعد ذلك بالرقِيّ والتحضُّر!!

 

تظاهرنا فلم يسمعوا بنا, واعتصمنا فقالوا كيفما تشاءون، هتفنا فسجَّلوا هتافاتنا, وكتبوا التقارير عنا, اعتصمنا بالجلاليب والبيجامات، فلم يعيرونا اهتمامًا، احتجت زوجاتنا وأولادنا, وبكَى أحد أطفالنا وهو يهتف: "صفوت بيه يا صفوت بيه.. خربت بيتنا ليه" فلم يحركوا ساكنًا، أو تخفق قلوبهم لدمعة طفل أُغلقت صحيفة يعمل بها والداه منذ سنوات.

 

نشرنا حبْلَ الغسيل أمام نقابتنا، فالتقطت كاميراتهم وعدسات السائحين لقطاتٍ تذكاريةً لاحتجاجاتنا, ونقلت الفضائيات مظاهرتَنا, وأيضًا لم يتحرك أحدٌ لردِّ حقوقنا، أو دفع الظلم عنا, وكأننا لسنا آدميين مثلهم، لنا الحق في الحياة والعيش بعزة وكرامة.

 

بعثنا البرقيات للرئيس نطالبه بالتدخل، وهو من يردِّد ليل نهار: "لم يقصف قلم في عهدي, تعيشون أزهى عصور الديمقراطية تحت لوائي, 25 عامًا من الإنجازات تنعمون بها".

 

لقد بعنا الخضار والليمون والجرجير أمام نقابتنا, أتدرون ماذا قالوا؟! أسلوب غير حضاري.. منظر غير لائق.. أنتم تسيئون لـ"نقابتكم" ولـ"مصر"!!

 

وهل يا سادة من التحضُّر والرقيّ أن يُقصف قلمي, وتُهان مهنتي, وتُغلَق صحيفتي, ويُقطع رزقي, وتشرَّد أسرتي, ويدمَّر مستقبلي.

 

نعم.. تظاهرنا ببيع الخضار, فنحن ندافع عن أرزاقنا وأرزاق أبنائنا, وأقلامنا, وحقِّنا في مواجهة الظلم, وسنستمر, ولن نعبأ بالمثبِّطين ومدَّعي التحضُّر, وسنفاجئ الجميع باحتجاجات جديدة، ومظاهرات نوعية, وما زال في جعبتنا الكثير، فسنحارب حتى نستردَّ أقلامنا، وقوت أبنائنا, وأدعو زملائي الصحفيين إلى الوقوف بجانبنا في مواجهة نظام مستبدٍّ، ومجلس نقابة متخاذل.

--------------

* صحفي بجريدة (آفاق عربية) وعضو نقابة الصحفيين ahmadabrahim@hotmail.com