"بيدنا لا بيد جورج"، ومن "مَوَالٍ" يتكلمون العربية وينتسبون للعروبة والإسلام.. انطلقت- وتنطلق- حملاتٌ قذرةٌ ضد صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وذلك
باسم حرية الفكر والتعبير، وما هي إلا حرية العدوان والفجور والمروق والتدمير.
فمن سوابق هذا السقوط كُتُب خليل عبد الكريم، وخصوصًا كتابه عن أهل يثرب في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- ومن أشدها ضراوةً وانحطاطًا كتاب "شيخ المضيرة: أبو هريرة" الذي كتبه شيخ أخفق إخفاقًا ذريعًا في الحصول على الثانوية الأزهرية، اسمه محمود أبو رية، وفيه جرَّد الصحابي الجليل من كل مكرمة وصفة نبيلة، وأقتَطِع من كتابه الكلمات الآتية (ص7)... "ولو أن النبي قد عهد إلى أبي هريرة وحده أن يكون راوية الإسلام للناس كافةً لكنت أول كافر به، ولا أبالي"، والضمير في (به) يحتمل الرجوع إلى أبي هريرة، كما يحتمل الرجوع إلى النبي- صلى الله عليه وسلم.
وفي كلتا الحالتين يكون الكفر بالنبي- عليه الصلاة والسلام- واردًا، وبين يديَّ واحدٌ من كتب السقوط الفاضح، يدعوني إلى مواجهته والتصدي له ادعاء كاتبه أنه صاحب منهج عقلي موضوعي، ينقذ الإسلام من أدواء التخلُّف والأمية الدينية والجمود الفقهي، فإلى الكتاب
الكتاب اسمه (خطيئة المذاهب) ومؤلفه هو الطبيب المصري "طلبة زايد" والكتاب مطبوع طبعةً فاخرةً (1)، وبحروف كبيرة، ومع الكتاب الكبير كتيِّبٌ أنيقٌ مستقلٌّ يمثل تلخيصًا للكتاب الكبير باللغتَين الإنجليزية والعربية، وهذا يعني أن المؤلِّف حريص جدًّا على نشر أفكار كتابه على المستويين العربي والعالمي.
وابتداءً شعرت بشيء من الزَّهو عندما تلقَّيت الكتاب والكتيِّب، وقلت في نفسي، جميل جدًّا أن يرصد طبيب مسلم- على ضيق وقت الأطباء- كثيرًا من جهده ووقته وماله لخدمة الإسلام، بتعرية المذاهب الهدَّامة من شيوعية وصهيونية وماسونية ووجودية ونازية، وقلت جزى الله شيخَنا المرحوم عباس العقاد خيرًا، فقد راد هذا الطريق، وله في هذا المجال باع طويل، وجميل جدًّا أن يأتي الطبيب "طلبة زايد" ليمشي على نفس الخط، ويكمل السيرورة إلى آخر المشوار.
كبرى الخطيئات
ورأيت الرجل واضحًا مع نفسه ومع قرَّائه، فهو يحدِّد ابتداءً هدفَ الكتاب، فيعلن أنه أنشأه "لبيان خطيئة المذاهب وإظهار المسلمين على شدة ويلاتها، وهول عواقبها، وتعريفهم بنشأتها ومداخلها ومراحلها ومزالقها ومشبهاتها، وبيان أنها كبرى الخطيئات على الإطلاق" صـ2.. فإذا ما سألته عن الحل جاء جوابه "إن العلاج الحاسم والشفاء الدائم للمسلمين لا يكون إلا باقتلاع جميع المذاهب والأحزاب صـ3.
قلت في نفسي: لا ضيرَ، فالكاتب الطبيب- بلا أدنى شكٍّ- يقصد بتلك المذاهب ما عرفناه من مذاهب ضالَّة مضلِّلة، مثل: القديانية والبريلوية وغيرها، وإن تمسَّحت زورًا وبهتانًا في الإسلام، ولكنني أُصبت بصدمة وغثيان حينما اكتشفتُ أن سيادته لم يمسَّ هذه المذاهب بكلمة واحدة ناقدة، وكذلك المذاهب الهدَّامة العالمية والأجنبية المصدَّرة إلينا من الخارج، كالشيوعية والماسونية، كل أولئك سكت عنه السيد الطبيب؛ لأن للمذاهب الهدامة عنده مفهومًا خاصًّا لا يصْدق إلا على المذاهب الأربعة المعروفة، وفتاوى الصحابة، وفقه التابعين.
معرض للقذف والتجريح
وأيسر ما يقال عن الكتاب أنه بعيدٌ بُعدَ المشرقَين عن الموضوعية وأبسط قواعد المنهج العلمي في البحث، فهو معرض غير منظم وغير شريف لسيل من الشتائم والسباب والتجريح والأحكام العامة المتقلبة، التي لا تتفق مع أدب المسلم والتزامه حدود الجدل الشريف العفيف، وأجتزئ بعضَ النقول من الكتاب ليرى القارئ فداحة ما ذهب إليه السيد الطبيب.
".. ليس كل الدين خالصًا لله.. بل أكثر المؤمنين بالله هم في الحقيقة مشركون وهم لا يشعرون" صـ 14.
"وتلك المذاهب- الأربعة المشهورة- تحرِّم ما أحلَّ الله، وتحلُّ ما حرَّم الله، فيطيعون المذاهب، ويخالفون أمر الله، فهؤلاء (المسلمون) مشركون أقبح الشرك بتفضيلهم عبادة المذاهب على عبادة الله" صـ16.
ولم يقدم الطبيب "طلبة زايد" دليلاً واحدًا يقطع- أو حتى يوحي- بأن إمامًا من الأئمة الأربعة أحلَّ ما حرَّم الله، أو حرَّم ما أحلَّ الله، ولا أعلم أن شافعيًّا، أو حنبليًّا، أو مالكيًّا، أو حنفيًّا عبَد مذهبه أو فضَّله على عبادة الله، وكأن هذه المذاهب ما نَشأت إلا لهدم الإسلام، وإعادة الناس إلى الشرك وعبادة الأوثان.
أئمة المسلمين كحاخامات اليهود
ويقول الطبيب زايد: "الأحبار هم علماء الأديان في كل زمان ومكان، كالربانيين والحاخامات في بني إسرائيل، والبابوات والكرادلة والقساوسة في النصارى، والأئمة والفقهاء في المسملين..." صـ 33.
وأعتقد أن مسلمًا يسوي بين الأئمة والفقهاء المسلمين الذين ينهلون من دين حق وبين البابوات والحاخامات والقساوسة- وهم يعتمدون في علمهم على أباطيل وأساطير وأكاذيب- لغارق في الخطأ والجهل والخطيئة، وهذه الحقيقة أوضح من أن تحتاج منا إلى مزيد من التعليق.
حكم الله وحكم الإمام
ويقول: "لا ينبغي لحبر أو مذهب أن يقول: حكمنا في مسألة كذا هو كذا.. بل يجب أن يقال: حكم الله فيها هو كذا، مع إيراد النصوص الدالة على صحة ذلك من كلام الله أو كلام رسوله فقط لا من مصنفات الفقهاء الطافحة بالأخطاء" صـ 42.
والكاتب الطبيب يعطي لنفسه بذلك الحق المطلق في إغلاق باب الاجتهاد في وجوه الأئمة والفقهاء، فمصادر التشريع- بناءً على قوله السابق- هي القرآن والسنة فقط، ولا مجال للاجتهاد بالرأي أبدًا في نظره حتى فيما سكت عنه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
والاجتهاد بالرأي ثبت بالسنة القولية القاطعة؛ حيث أقرَّ النبي- عليه السلام- معاذ بن جبل على أن يجتهد برأيه ولا يألو (أي لا يقصر)، وذلك إذا لم يجد في الكتاب والسنة حكمًا لقضية تعرض له.
وهذا الاجتهاد لا يعطي الحقَّ لصاحبه أن يقول "حكم الله في هذه القضية هو كذا" بل عليه أن يقول "حكمنا فيه هو كذا" فالفقيه بشر يصيب ويخطئ.. وقد قدر له النبي- صلى الله عليه وسلم- هذا المجهود الذي يبذله في استنباط الحكم حتى لو كان الحكم غالطًا- من حيث لا يتعمد الخطأ طبعًا- فجعل للمجتهد المصيب أجرين، وجعل للمجتهد المخطئ أجرًا واحدًا.
ولا خلاف في أن القرآن والسنة هما المصدر الأساسي للتشريع، ومن الفقهاء والأصوليين من يجعلهما مصدرًا واحدًا يطلق عليه "الوحي"؛ إذ إن السنة- والتشريعي منها بخاصة- سمَّاها القرآن وحيًا، إذ يقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى﴾ (النجم: 1- 4).
ولكن هناك مصادر أخرى لا ترقى في قوتها إلى المصدرَين أو المصدر السابق مثل: عمل الصحابي وفتاواه، والإجماع، والمصالح المرسلة والاستحسان وعمل من قبلنا (2).
وكيف جهل الكاتب الطبيب أن أغلب ما جاء به القرآن الكريم كليات وقواعد عامة، ثم جاءت السنة وفصَّلت المجمل، وقيَّدت المطلَق، وخصصت العام إلى ما هو معروف في كتب الأصول والفقه، والأئمة المجتهدون لم يجتهدوا بالرأي اتباعًا للهوى، بل كان اجتهادهم فيما لا نصَّ فيه، كما كان محكومًا بالمبادئ والقواعد التي قطع بها القرآن والسنة.
بل إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أقرَّ مبدأ الاجتهاد بالرأي حتى لو أدى الاجتهاد إلى نتائج متعارضة ما دام المجتهد اعتمد على فهم سديد، ولم ينقض باجتهاده إحدى قواعد الدين، وما عرف منه بالضرورة، يتجلى ذلك في الواقعة الآتية:
حينما همَّ الرسول- صلى الله عليه وسلم- بغزو بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة أمَرَ الرسول مؤذنًا فأذن في الناس "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلينَّ العصرَ إلا في بني قريظة"، وفهم بعض المسلمين الأمرَ على أنه كنايةٌ عن الالتزام بسرعة الزَّحف لغزو اليهود، فصلوا العصر قبل غروب الشمس، وفهم آخرون الأمر "على حرفيته" فنفَّذوا الأمر بحذافيره ولم يصلوا العصر إلا بعد أن حطُّوا بأرض بني قريظة بعد العشاء الآخرة "فما عابهم الله بذلك في كتابه، وما عنَّفهم به رسول الله- صلى الله عليه وسلم" (3).
أين أدب المسلم؟!
والسيد الطبيب مُصرٌّ على تخطيء كبار الصحابة دون دليل يهضمه العقل بل الحد الأدنى من العقل، فالباب الخامس من الكتاب عنوانه (طائفة من الأخطاء) وفي هذا الباب نصطدم بالعناوين الفرعية الآتية:
- أخطأ عُمر وعثمان في النهي عن التمتع بالعمرة مع الحج صـ57.
- أخطأ علي بن أبي طالب وابن عمر في النهي عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث. صـ61.
- أخطأ ابن عباس في الحكم أن عدة الحامل المتوفَّى عنها زوجها هو أبعد الأجلين صـ63.
- وأخطأ أبو هريرة في النهي عن صوم رمضان لمن أدركه الفجر جنبًا صـ 64.
نتائج فاحشة
هذا عن الصحابة فما رأيه في التابعين وتابعيهم؟!
يقول طلبة زايد: "أما من دون الصحابة من التابعين وسائر الأئمة وفقهاء المسلمين، فهؤلاء أخطاؤهم في الدين فاشية فشوًّا ذريعًا، لا تكاد تمر مسألة من مسائل الدين إلا ولهم فيها تناقضات واختلافات تصل إلى حدِّ تحليل الحرام أو تحريم الحلال، أو شرع ما لم يأذن به الله أو ابتداع ما لم يفعله رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" صـ69.
هؤلاء هم الصحابة، وهؤلاء هم التابعون والأئمة في نظر الطبيب زايد جماعات من الخطَّائين الذين يحلُّون الحرامَ ويحرِّمون الحلالَ، مع أن السيد الطبيب- سامحه الله- أورد من قبل في كتابه قول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "خير القرون قرني، ثم الذي يلي، ثم الذي يلي" صـ54.
وإذا كانت هذه هي حال صفوة الصحابة والتابعين فهذا يعني الخروج بنتيجتين غريبتين بل فاحشتين:
الأولى: أن الإسلام- والعياذ بالله- قد أخفق إخفاقًا ذريعًا في تربية الرعيل الأول، وتكوين "الشخصية الإسلامية" النموذجية فكرًا وخلقًا وعقيدةً.
الثانية: أن تقييم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لكثير من الصحابة وشهادته لهم بالفقه والعلم والأمانة- على ما هو مذكور في الصحاح عن فضائل الصحابة- يصبح تقييمًا في غير محله؛ لأن "طلبة زايد" اكتشف فيهم الكذب والخطأ، بل الخطيئة، ومرةً ثانيةً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وهناك نتيجة ثالثة من السهل إدراكها ومؤداها: إذا كانت هذه هي حال الصفوة من مجتهدي الصحابة والتابعين فهذا يعني أن الأجيال التي تلت جيلهم- بما فيه جيلنا طبعًا- تُعتبر كافرةً كفرًا بواحًا، ومارقةً من ملة الإسلام.
أهل الهوى.. يا عين
واختلاف الصحابة والأئمة والفقهاء في الاستنباط لا يزري به الكاتب فحسب، بل يفسره على أنه فُرقة في الدين، وتطاحن بين "أهل الهوى"!! وهذا شيء عجيب: فالرجل العامي الأمي يعرف بحاسته أن "اختلافهم رحمة".
حتى أصبحت هذه العبارة تجري مجرى الأمثال؛ لأن في هذا الاختلاف سعةً وتسهيلاً على المسلم، فالدين يسر، ودفع الحرج والمشقة قاعدة أصيلة من قواعد الإسلام، كما أن هؤلاء الأئمة- مهما اختلفوا- إنما كان هدفهم التوصل إلى الحق والحقيقة، وإن اختلفت الطرق والوسائل في استنباط ما يعتقد المجتهد أنه الحق، بعد أن يستخدم أقصى طاقاته في سبيل ذلك.
ورحم الله ابن القيم
وقد بيَّن ذلك بوضوح الإمام ابن القيم؛ إذ يقول: "إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأي طريق كان فثمَّ شرع الله ودينه، ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد، وأبطل غيره من الطرق، التي هي أقوى منه وأدل وأظهر.
بل بيَّن بما شرعه من الكتب أن مقصوده هو إقامة الحق والعدل، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها.
والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد..." (4).
"فهل بعد ذلك يحكم على الصحابة والأئمة المجتهدين- لأنهم اختلفوا في استنباط الأحكام- بأنهم من أهل الهوى والفُرقة والخطايا"؟ أم أن الخطيئة الكبرى هي تلك التي ارتكبها السيد الطبيب "طلبة زايد" بهرائه الذي سماه (خطيئة المذاهب)؟!
--------
الهوامش والمراجع
1- قام المؤلف بطبع الكتاب على نفقته الخاصة، وعرضه في عدد من دور النشر المصرية والعربية، ولكنه كان يوزع الأعداد الكبيرة منه مجانًا، وقد حضرت مؤتمرًا إسلاميًّا في "إسلام آباد بباكستان" عن "الإسلام اليوم" Islam today، وقام المؤلف بتوزيع عدد كبير من نسخ الكتاب على أعضاء المؤتمر، فلما اكتشفوا حقيقته ردوه إليه.
والمؤلف طبيب مصري- أعرفه معرفةً شخصيةً- وقد عمل بقرية "ميت عاصم" مركز دكرنيس دقهلية سنوات طويلة، ثم سافر إلى الكويت واستقر بها.
2- انظر في ذلك كتاب أستاذنا علي حسب الله: "أصول التشريع الإسلامي".
الصفحات: 83، 117، 169، 204، 281 (الطبعة 1 القاهرة 1952م).
3- عبد السلام هارون: تهذيب سيرة ابن هشام 59 (ط17- دار الرسالة بيروت 1988م).
4- إعلام الموقعين عن رب العالمين 4/ 373 (دار الجيل- بيروت. د. ت).
دكتور جابر قميحة