بقلم: سيد نزيلي

هكذا تمضى الأيام سريعة.. وكما قال البعض "ليلة بعد ليلة أخرى.. وليالى المنى تمر عجالاً"، وهكذا انقضت أيام رمضان.. ثم يسلمنا رمضان إلى شهور أخرى؛ حيث تمضي عجلة الزمن تطوينا وتسرع بكل واحد منا إلى أجله المحتوم.. إلى لقاء ربه.. فيقف أمامه عمله.. يقرأ كتابه.. ويسترجع أيامه.. وأعماله.. ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة:13-14) ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 14).

 

هذه عبرة سريعة نستفيدها من سرعة انقضاء أيام رمضان.. وهي أيام نحسب أننا قضيناها في طاعة.. صُمنا أيامه وقمنا لياليه وأكثرنا من تلاوةِ القرآن فيه.. وصامت جوارحنا عمَّا يجرح الصيام.. صامت العين والأذن واللسان والرجل واليد والفؤاد.

 

لقد انتهى شهر رمضان.. ربح فيه مَن ربح وخسر فيه مَن خسر.. ربح فيه مَن لانت قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله.. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (الفرقان: 73)، وخسر مَن لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي بُعث به رسوله- صلى الله عليه وسلم.

 

وهناك دروس كثيرة مرَّت علينا في رمضان ومطلوب منا أن نستوعبها ونستثمرها في حياتنا الشخصية الفردية، والدعوية العامة.. ومن هذه الدروس أو الوقفات:

 

- الوقفة الأولى: يقول الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

 

وزرع التقوى في القلب يحتاج إلى مجاهدةٍ كبيرةٍ ومراقبةٍ صارمةٍ لتعاريج النفس ومنحنياتها.. والتقوى في حقيقتها حالة تجعل القلب حساسًا شاعرًا بالله في كل أحواله.. خائفًا متحرجًا مستحييًا أن يطلع الله عليه في حالةٍ يكرهها.. وعين الله على كل قلبٍ في كل لحظةٍ فمتى يأمن ألا يراه؟!

 

والعاملون لنصرة دين الله.. أشدُّ الناس حاجةً إلى هذا الميزان الضابط لحركة المرء في كل جوانب حياته.

 

- الوقفة الثانية: أن دلالة نزول القرآن في شهر رمضان تلفت نظر الصالحين إلى هذا القرآن العظيم الذي هو رمز قوة المسلمين وأساس وحدتهم وسر شرفهم ومكانتهم ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء:10).

 

ونحن أولى الناس جميعًا في الاحتفاء بالقرآن والاهتمام به.. والإقبال عليه.. في شهر رمضان وفي غيره؛ لأنه عماد الدعوة وأساس الحركة ومنهاج الطريق.. ثم هو "الدستور" الذي ارتضيناه نورًا ومنهاجًا لنا وللمسلمين جميعًا.. بل ولكل الناس.

 

ولقد تمَّت أغلب انتصارات المسلمين وفتوحاتهم في شهر رمضان المعظم؛ ففيه انتصر المسلمون في بدر الكبرى وهم قلة على المشركين وهم كثرة، ليحق الحق ويبطل الباطل، ليحيا من حي عن بينه ويهلك مَن هلك عن بينة.

 

ونحن نتشوق ليومٍ كيومِ بدر.. نتشوق لعودةِ المسلمين إلى ربهم.. إلى دينهم.. إلى قرآنهم يستقيمون عليه خلقًا وسلوكًا وتعبدًا وتعاملاً وإعدادًا وعدةً.. وأخذًا بالنهضةِ الشاملة في كل جوانب حياتهم.. واستغناءً عن أعداءِ الإسلام بحيث نصبح منتجين لا مستهلكين ولا نعتمد على غيرنا، ويتم ذلك في إطارٍ من إطلاقِ الحريات ومحو مظاهرِ الاستبداد والظلم والفساد واحترام كرامةِ الإنسان كإنسانٍ وإطلاق إبداعاته وتطلعاته لترتقي المجتمعات الإسلامية وتأخذ مكانها ومكانتها بين الأمم الراقية والناهضة.

 

ومن الدروس كذلك.. أن شهر الصوم يُطلَق عليه شهر "الصبر" والصبر المطلوب يكون صبرًا على الطاعاتِ كما هو صبرٌ عن المعاصي.. ونحن في دعوتنا.. نحتاج إلى أن نستصحب "الصبر" الذي تعلمناه في مدرسةِ الصوم؛ بحيث يكون لنا خلقًا على مدارِ حياتنا مع إخواننا.. مع أولادنا وأهلنا.. مع الناس أجمعين.. ولا شك أن العمل العام يحتاج إلى صبر.. بل وصبرٌ جميلٌ.

 

فأنت- أخي الكريم تعيش دعوتك فكرًا.. وتكوينًا نفسيًّا.. وخلقًا وسلوكًا.. وتتمنى أن ترى ذلك مطبقًا في كل المجتمع العام الذي تعيش فيه وتخالطه.. ولكن- وهذا ليس مفاجأةً- قد يكون البون شاسعًا.. والفارق كبيرًا في واقع الحياةِ العامة.. وهنا تأتي فضيلة الصبر؛ إذْ إنَّ الفرد الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي ينكفئ على نفسه في بيته أو عمله.. ولا يندمج في مجتمعه ويخالطه.. صحيح أنَّ هناك ظواهرَ قد تكون خارجة عمَّا نألفه أو نتربى عليه.. أو قد تكون مصادمة أو معادية.. أو هادمة لقيم الإسلام وموازينه وآدابه.. وصحيح أن التطرف العلماني قد جاوز حدوده في كثيرٍ من مجالاتِ الحياة.. وبدأ في تناولِ الثوابت والأصول والخوض في الإسلام ورسول الإسلام- صلى الله عليه وسلم- وكذلك الصحابة الكرام بصورةٍ تخرج عن إطارِ الأدب المطلوب والاحترام اللازم والتوقير الواجب.. وربما تصل إلى حدِّ الاستفزاز والتحدي.. وذلك كله بحجةٍ حريةِ الإبداع وطلاقةِ الرأي.. وغير ذلك من الدعاوى الباطلة والحجج الهزيلة.

 

كل ذلك يُلقي على العاملين في مجالِ الدعوة مسئوليات ثقيلة وأعباء خطيرة.. نحو هذا الواقع.. والعمل على تغييره بما يتوافق مع منهجِ الإسلام في الحياة.. ولا يأتي إلا من خلال المخالطة والاندماج في معترك الحياة والصبر على ذلك.. ومن المبشرات أن هذه المخالطة قد أحدثت في مجملها نتائج عظيمة وتركت بصماتٍ في واقع المجتمع العام في شكل صحوةٍ مباركة، ويقظة ملموسة.. والتزام بالهدي الظاهر للإسلام، ويبقى على العاملين المخلصين ترشيد هذه الصحوة وضبط مسارها وفق شرع الإسلام الحنيف دون إفراط أو تفريط، وبعيدًا عن الغلو أو الترخص، وفي إطارِ الفهم الشامل لهذا الإسلام العظيم.

 

هذا ويبقى أمران:

الأول: أن عيد الفطر المبارك يأتي عقب الصيام مباشرةً.. وهو يوم عيد في الأرض ويوم الجائزة في السماء.. ورغم أنَّ هذا العيد يأتي وبلاد الإسلام ممزقة.. ومتفرقة.. ويعبث أعداء الإسلام فيها فسادًا وتخريبًا.. ودماء المسلمين تسفك في كل مكان.. وتنهب ثرواتهم وتجرف مزارعهم وتدمر بيوتهم.. وتصادر حرياتهم وتكمم أفواههم.. وينحاز حكامهم في أغلب الأحيان لمؤازرة ومساندة الأعداء تحت دعاوى الحكمة والاعتدال.

 

كل ذلك وأكثر منه صحيح ومحزن ويمثل عقبةً ومأساة تعطل استحقاق الأمة لتنزل نصر الله ورفع الغمة التي نزلت بها.

 

ومع ذلك.. فإنه من الضروري أن نحتفل بالعيد.. وأن ندعم مظاهر الفرح به وأن نتبادل التهاني والتزاور.. بل نلبس أحسن ما عندنا.. وخاصةً أطفالنا وبناتنا.. وأن ينشر كل فرد في دائرة سكنه وبين أهله وجيرانه وأقربائه مظاهر الابتهاج بالعيد ويصافح الجميع فردًا فردًا.. تدعيمًا لرباطةِ الأخوة في الله.. وللمودة التي تجمع القلوب.. وذلك كله.. رغم ما تنطوي عليه صدورنا من غمٍّ وكربٍ لما آل إليه حال المسلمين في كل مكان.

 

الثاني: وبعد أن ذاق المسلمون حلاوةَ الطاعةِ في شهرِ رمضان.. وكانوا أقرب إلى ربهم.. وأحرص على العبادةِ والطهر والنقاء ولازموا القرآن الكريم تلاوةً وحفظًا وتدبرًا.. وعاشوا السمو الروحي والطهر القلبي.. كل ذلك.. هل يجوز أن يتخلوا عن هذه الفضائل بعد رمضان؟! أو تتناقض حياتهم مع ما حصلوا عليه في رمضان؟!

 

أظنكم معي في أنه لا يجب ذلك.. فهيا إذن نكمل مسيرة الطاعة بعد رمضان.

والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.