بقلم: د. رشاد لاشين
اليوم الرابع عشر من أكتوبر 2006م تمرُّ علينا ذكرى عزيزةٌ غاليةٌ ذاتُ قيمة عالية على مدى القرن الماضي، ألا وهي ذكرى ميلاد الإمام الشهيد حسن البنا في اليوم الرابع عشر من أكتوبر عام 1906م؛ ومرور 100 عام على ميلاده حتى الآن، وهو حدثٌ ليس بالبسيط ولا بالعابر، بل حدثٌ كان له ما بعده، من إصلاح وتغيير وإحياء وتجديد في حال أمة الإسلام، لا زلنا نعيش في كنفه، ونقطف ثمراته حتى الآن، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين قال: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها دينها" (رواه أبو داود بسندٍ صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه).
طراز فريد
جاء حسن البنا فلم يعِش لنفسه فقط، بل جنَّد نفسَه لخدمة دينه وإنقاذ أمته، وأخذ على عاتقه مهمة إيقاظ الأمة وجمع شملها، ونشر الفهم الصحيح الشامل للإسلام الحنيف على ضوء كتاب الله وهدْي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعداد القادة والروَّاد، الذين ينهضون بأمتهم، ويأخذون بيدِ شعوبهم إلى عزِّ الإسلام ومجده من جديد، فكان طاقةً إيمانيةً رائعةً لا تخمد، وشعلةَ نشاط متوقدةً لا تخفت، وفهمًا صحيحًا معتدلاً لا يشرد، وروحًا طيبةً لا تعرف إلا الحب والحرص على جمع شمل الأمة وتجميع صفوفها من جديد.
التعريف بالإمام الشهيد
الاسم: حسن أحمد عبد الرحمن البنا.
مكان الميلاد: قرية المحمودية- محافظة البحيرة بدلتا النيل مصر.
يوم الميلاد: يوم الأحد 25 شعبان سنة 1324هـ= الموافق 14 أكتوبر سنة 1906م.
المؤهل: ليسانس دار العلوم جامعة القاهرة سنة 1927م.
المهمة: مجدد الإسلام في القرن الحالي ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين 1928م.
يوم الاستشهاد: السبت 14 من ربيع الآخر 1368هـ= الموافق 12 من فبراير 1949م.
حال الأمة قبل قدوم الإمام المجدد
جاء الإمام حسن البنا وكيانُ الإسلام الأعظم (الخلافة الإسلامية) مهدومُ الأركان؛ حيث أسقطت الخلافة على يد الخائن العميل مصطفى كمال أتاتورك عام 1924م، فجاء حسن البنا ليجدَ الأمة مقطَّعةَ الأوصال، ممزَّقة الأشلاء؛ تعيش في جهلٍ وتخلفٍ وضياعٍ.. بلاد الإسلام مستذلَّة ومستعبَدَة في ظل استعمار منتشر في أغلب الديار، وغُيِّبت الأمة عن إسلامها بفعل العلمانيين الذين أرادوا سَلْخَ الدين عن الدولة وحَصْرَه فقط في دور العبادة، وأُسندت لهم مقاليد الأمور، فانتشرت الخمر، ورُخِّصت دور البغاء، وانتشر الفساد والفحش، وأصبحت المساجد خاويةً على عروشها، اللهم إلا من شيوخ كبار مشرفين على الموت.
النشأة الصالحة ودورها في النهوض بالأمة
نشأ حسن البنا في أسرة متدينة، وكان والده أحمد عبد الرحمن البَنَّا يعمل مأذونًا وإمامًا لمسجد القرية، وكان محبًّا للعلم والقراءة، وكان يصرف معظم وقته في الاطلاع والتصنيف، وقد أهَّل نفسَه ليكون من علماء الحديث الشريف، فألَّف عدة كتب لخدمة السنة النبوية، منها "بدائع المسند في جمع وترتيب مسند الشافعي"، و"الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني"، و"بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني".. في كنف هذا الأب نشأ حسن البنا في بيئة إيمانية موصولة بالله.. في ظلال هذا الجو الديني المشحون بالعلم والثقافة ترعرع حسن البَنَّا، فأحب العلم، وعشق القراءة، وتشرَّبت نفسه بالتدين منذ الصغر، فراح يهتم بشئون أمته ويعمل على تجديد أمر دينها.
الإصلاح والنهوض بالأمة
كان- رحمه الله- منذ طفولته حريصًا على إصلاح حال الأمة، ودعوة الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد شارك- وهو في المرحلة الإعدادية- في عدة جماعات أو جمعيات خيرية أو دينية معتدلة، مثل: جمعية الأخلاق الأدبية، وجمعية منع المحرمات، وتأثَّر ببعض الطرق الصوفية المعتدلة- وخاصة (إخوان الحصافية)- وكان من نتيجة تأثره بالطرق الصوفية أن برزت فكرة إنشاء "الجمعية الحصافية للبر" التي نهضت للحفاظ على المباد