د. حلمي محمد القاعود

 

من المؤكد أن النفس البشرية موّارة بحالات المدّ والجزر، إيجابًا وسلبًا، انبساطًا وانقباضًا، تفرح لبعض الأمور وتحزن لبعضها الآخر.. وقد تكون هذه الأمور بسيطةً وهامشيةً، ولكنها تشكل عنصر الفرح أو عنصر الحزن، الذى ينقل المرء من حال إلى حال، وقد يترتب على ذلك أن يأخذ مواقف مؤثرة ليس في حياته وحدها، ولكن في حياة الآخرين..

 

لفت نظري في الآونة الأخيرة، خاصة في عالم الكتابة والكتّاب، وعلى مستوى الصحافة والفكر، أن هناك نفرًا ممن يكتبون يعشقون شيئًا اسمه "الشهرة". والشهرة مبذولة لكثيرين من غير الكتاب، مبذولة بسهولة شديدة؛ فلاعب الكرة والراقصة، والمطربة، والممثلة، والممثل الكوميدى (المهرج)، والديكتاتور، والجلاد، ومذيعة التليفزيون، والمنجّم، والدجال، والملياردير، وأشباههم، كل هؤلاء أكثر شهرةً من العلماء والباحثين والأدباء والكتاب والصناع والقادة وأبطال الحروب والمخترعين والعُبّاد والزُّهاد والمصلحين والأنبياء؛ باستثناء نبينا- صلى الله عليه وسلم- الذي جعل الله سبحانه ذكره في كل الأرجاء، وقال عنه في سورة الشرح: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، ولعل ذلك كان بشارة بانتشار الإسلام في أرجاء الأرض، ومعه ذكره صلى الله عليه وسلم، في كل صلاة وقيام: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).

 

وعندما توفي الكاتب نجيب محفوظ- وهو أكثر كتاب العرب قاطبة في الشهرة-، توفي لاعب كرة، اسمه "محمد عبدالوهاب"، تجاوز العشرين بقليل، وكانت المفارقة أن هذا الشاب الصغير فاقت شهرته شهرة الكاتب "نجيب محفوظ"، الذى يصفه البعض بالكاتب العالمي. لقد رأيت الصحف والمجلات والبرامج التليفزيونية والإذاعية تخصص له من مساحتها وأوقاتها ما لم تخصصه للكاتب العالمي، وهذا يعني أن "الشهرة" في عالم الكتابة لن تصل بالكاتب مهما تفوق إلى شهرة لاعب كرة!

 

وهذا الذي قلته يقودني إلى الإشارة إلى أن الكاتب، وأشباهه من أصحاب القضايا الكبرى لا تعنيهم الشهرة في قليل أو كثير، لأن غايتهم هي خدمة المبادئ التي يؤمنون بها، ويعملون من أجلها، ويضحون في سبيلها .. لذا نرى كثيراً من الكتاب والعلماء والباحثين وغيرهم ينكرون ذواتهم، ويركزون كل طاقاتهم في العمل والإنتاج والإبداع ؛ لأن هذه غايتهم الكبرى، ولذتهم الكبرى أيضاً.

 

 لكن نفراً من كتابنا، وخاصة في الصحافة يجعلون غايتهم هي البحث عن الشهرة أو بلغة الأيام الجرباء يبحثون عن "الفرقعة" ليذكرهم الناس، ويُحققوا وجودًا في أذهان الجمهور ويفاخروا أهليهم وذويهم أنهم أصحاب "حيثية"، حتى لو جاءت هذه الحيثية على حساب أغلى القيم وأثمن المبادئ!!

 

لقد وجدوا في معارضة النظام الحاكم فرصتهم المثلى لهذه الغاية فراحوا يُهاجمون الحكومة ويشتمونها؛ بل يمتد الأمر إلى رئيس الدولة، وكأنهم أبطال الفتوحات التي لم يسبق لها مثيل.

 

هو ما يُلقي في روع البسطاء والسذج، أنهم شجعان بحق، وأنهم يواجهون الرءوس الكبيرة في النظام الحاكم بكل عنف وثقة مما يُحوّل هذه الرءوس إلى "أرانب" مستكينة، لا تملك حولاً ولا طولاً، ولا تستطيع أن تفتك بهم، أو على الأقل "تقرص" آذانهم كي تؤدبهم، بالاعتقال القصير، أو التأديب على طريقة ما حدث لبعض الكتاب الراحلين والأحياء.. ولم يسأل أحد من هؤلاء البسطاء والسذج لماذا تتركهم السلطة ذات الأنياب الحادة والأظفار الفتاكة يصولون ويجولون دون أن تزعجهم، بل تسهم في تسهيل الخدمات وتقديم الإغراءات لهم، فبعضهم مع أنه حدث السن بالنسبة لمن هم في مثل وظيفته، يرأس تحرير صحيفتين أو يكتب في أكثر من صحيفة حكومية، وغير حكومية، أو يقدم برامج في تلفزيون السلطة وإذاعاتها, أو تلفزيونات أصحاب القروض وإذاعاتهم؛ ويأخذ مقابلاً