على مدار الشهور الماضية ومنذ فوز الديمقراطيين بالأغلبية في الكونجرس نهاية العام الماضي، كانت رئيس المجلس الديمقراطية نانسي بيلوسي ترفض البدء في إجراءات عزل الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترامب؛ على خلفية مزاعم عرقلة العدالة والتوطؤ مع روسيا، وذلك في أعقاب انتهاء المحقق روبرت مولر من تحقيقاته، وتعلن أنها تفضل هزيمة ترامب في الانتخابات الرئاسية بدلا  من إجراءات العزل التي ربما تسهم في شيء من  الفوضى والاحتقان داخل المجتمع الأمريكي بين الديقمراطييين والجمهوريين.

لكن بيلوسي غيرت رأيها يوم الثلاثاء الماضي 24 سبتمبر 2019م، وقررت البدء في إجراءات عزل الرئيس؛ فلماذا غيرت رأيها؟ وما الأسباب التي دفعتها إلى ذلك؟ وهل يمكن فعلا عزل الرئيس؟ وما دلالات ذلك ورسائله؟

السبب المباشر لتغيير رئيسة الكونجرس هو الاتهامات التي تلاحق الرئيس ترامب حول لجوئه إلى قوى خارجية (أوكرانيا) لتحقيق مكاسب سياسية داخلية؛ وسوف يحقق الكونجرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون في هذه الاتهامات وما إذا كان ترامب لجأ إلى طلب المساعدة من أوكرانيا من أجل التشهير بنائب الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، والذي يرجح أن يكون المرشح الديمقراطي في انتخابات الرئاسة المقبلة 2020 منافسا لترامب.

وجاء قرار النواب الديمقراطيين ببدء إجراءات عزل ترامب بعد تقارير أفادت بأن ترامب ضغط على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اتصال هاتفي يوم 25 يوليو لدفعه لفتح تحقيق عن بايدن، المرشح الديمقراطي الأوفر حظا لخوض انتخابات الرئاسة، وابنه هانتر، الذي عمل بشركة تنقب عن الغاز في أوكرانيا.

وتقول بيلوسي إن ما دفعها إلى تغيير موقفها هو "وجود الحقائق التي تستوجب حماية الدستور وأنه لا أحد فوق القانون"، في إشارة إلى الاتهامات التي تلاحق ترامب حول استخدام سلطته كرئيس للضغط على رئيس أوكرانيا في قضية بايدن، في أعقاب تسريب مكالمة لترامب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والتي أثارت جدلاً واسعا في الولايات المتحدة، خصوصا في الأوساط الديمقراطية؛ حيث اتهم ترامب باستخدام ورقة كييف للضغط على أسرة بايدن، التي تقدّم مرشحا ديمقراطيا إلى الانتخابات الرئاسية 2020.

تجارب سابقة

منذ جورج واشنطن أول رئيس أمريكي (1789-1797)، إلى الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب (2017)، لم يعزل أي رئيس أمريكي من منصبه على الإطلاق، وشهدت الولايات المتحدة 4 حالات اغتيال لرؤساء عبر تاريخها وعدة محاولات اغتيال فاشلة.

وتعرض ثلاثة رؤساء أمريكيين (ديمقراطيان وجمهوري) لمحاولات عزل من مناصبهم لأسباب ومبررات مختلفة، وهؤلاء الرؤساء هم:

- أندرو جونسون (1808-1875): رئيس أمريكي ديمقراطي، انخرط في صراع مع الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، بعد أن اتهم بمخالفة القانون على خلفية إزاحته وزير الحرب الأمريكي من منصبه، وهو القرار الذي لم يكن يحق للرئيس أن يتخذه في أعقاب الحرب الأهلية، وجرى سحب الثقة منه من قبل مجلس النواب، ولكن تمت تبرئته في مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد.

- ريتشارد نيكسون: (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الـ37، عن الحزب الجمهوري، خلال الفترة 1969-1974) غادر نيكسون البيت الأبيض في عام 1974، قبل ما يقرب من ثلاث سنوات من انتهاء فترة رئاسته الثانية، بعد أن أجبر على الاستقالة نتيجة لثبوت تورطه في فضيحة تجسس عناصر من الحزب الجمهوري على المقر الرئيس للحزب الديمقراطي في واشنطن، فيما عرف بفضيحة ووترجيت.

 وتعتبر ووترجيت أشهر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث أدت إلى استقالة الرئيس نيكسون من منصبه ليصبح الرئيس الوحيد المستقيل في تاريخ البلاد، وأصبحت بعد ذلك رمزا للفضائح السياسية في أمريكا والعالم.

- بيل كلينتون: رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الـ42 عن الحزب الديمقراطي، قام مجلس النواب الأمريكي بإقالته في 19 ديسمبر1998، بتهم الكذب في الحلف وعرقلة سير القانون على خلفية علاقته الجنسية بمونيكا لوينسكي المتدربة في البيت الأبيض، لكنه بُرئ من قبل مجلس الشيوخ في 12 فبراير1999 وأكمل ولايته الرئاسية.

أسباب العزل

سعى المشرعون الأمريكيون الأوائل للمواءمة بين أمرين؛ هما: المحافظة على الطابع الديمقراطي للبلاد ومنع انحراف الرؤساء وكبار المسئولين التنفيذيين في الدولة، فاستحدث لأجل ذلك أداة العزل لتوفير إطار قانوني ودستوري يسمح بالتدخل عند الاقتضاء، ولكنهم بالمقابل وضعوا قيودا مشددة على سلطة العزل، من أجل وجود سلطة تنفيذية قوية لا تكون رهينة لأهواء الكونجرس، أو عرضة للإقالة والعزل لأدنى سبب.

ولتجسيد ذلك، حدد الدستور الأمريكي ثلاثة أنواع من الجرائم تسمح بإقالة وعزل الرئيس أو نائبه أو القضاة الفدراليين عند ارتكابها أو الوقوع في إحداها، وهذه الجرائم هي: (الخيانة العظمى، تلقي الرشوة، الجرائم والجنح ذات الأثر البالغ)، علما بأنه يثور كثير من الجدل حول معاني ودلالات هذه المصطلحات.

6 خطوات لعزل الرئيس

تمر إجراءات عزل الرئيس - أي رئيس - في الحالات العادية عبر مرحلتين (في مجلسي النواب والشيوخ)، وتشمل تلك الإجراءات ست خطوات هي:

أولا: تقديم طلب لفتح تحقيق ببدء إجراءات عزل الرئيس. وتفيد تقارير إعلامية بأن ستة نواب ديمقراطيين سبق أن قدموا مشاريع إلى مجلس النواب لهذا الغرض، غير أنهم فشلوا جميعا في الحصول على تصويت الأغلبية؛ وذلك لأن زعماء الديمقراطيين - مثل نانسي بيلوسي - كانوا يعتقدون أن الوقت لم يكن مناسبا.

ثانيا: حصول القرار على الأغلبية البسيطة في اللجنة القضائية بمجلس النواب، علما بأنها تتكون من 41 عضوا.

ثالثا: حصول القرار على أغلبية بسيطة (النصف + واحد) في مجلس النواب(435 عضوا)، وهو أمر ميسور بالنسبة للديمقراطيين، حيث يملكون أغلبية في المجلس "235 مقابل 197 للجمهوريين".

رابعا: إذا صوت مجلس النواب بنعم على اتهام الرئيس، ينتقل مشروع قرار العزل إلى مجلس الشيوخ، الذي يعمل بصفة هيئة محلفين ويتكون من 100 عضو.

خامسا: يبدأ مجلس الشيوخ المحاكمة، ويمثل أعضاء مجلس النواب الادعاء (سلطة الاتهام)، بينما يمثل أعضاء مجلس الشيوخ هيئة المحلفين، فيما يقود المحاكمة رئيس المحكمة العليا الأمريكية.

سادسا: يجري التصويت داخل مجلس الشيوخ على اتهام الرئيس، بعد الاستماع للشهود ومرافعات الادعاء ومحامي الرئيس، ويشترط لإدانة الرئيس تصويت ثلثي أعضاء المجلس على القرار(67) عضوا.

وفي مجلس الشيوخ حاليا 53 جمهوريا و45 ديمقراطيا، واثنان مستقلان عادة ما يتخذان موقف الديمقراطيين نفسه في التصويت. وتتطلب إدانة الرئيس وعزله 67 صوتا، وهذا يعني أنه حتى تنجح إجراءات العزل فإن الديمقراطيين يحتاجون موافقة 20 نائبا جمهوريا بمجلس الشيوخ وهو أمر مشكوك في حدوثه.

 إذا.. لماذا أقدم الديمقراطيون على هذه الخطوة في هذا التوقيت؟

 على الأرجح فإن هدف الديمقراطيين هو استنزاف ترامب مع اقتراب الانتخابات المقبلة ووضعه في حالة دفاع مستمر وإشغاله بنفسه من أجل ترجيح كفة المرشح الديمقراطي في السباق الرئاسي القادم.