التزكية هي ما تشير إليه الآية الكريمة عن النفس الإنسانية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس) والمكارم هي مكارم الأخلاق التي أشار إليها الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- بقوله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. وحقيق به صلى الله عليه وسلم وهو من قال فيه رب العالمين ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.. وليس هناك أفضل من رمضان للسير إلى الله حبًّا وتقوى وطاعة وخشية ورجاء في رحاب التزكية ومكارم الأخلاق. والعلاقة بين تزكية النفس وإلزامها بمكارم الأخلاق وثيقة.. ولعل أكثر ما نحتاجه في هذه الأيام هو(حسن الخلق).. الذي يصدر عن (نفس زكية) عرفت فلزمت كما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لحارثة رضي الله عنه وهو يسأله عن نفسه ولعل الرسول كان يسأل السؤال الدارج على نحو (كيف حالك؟) ولأن وعي الصحابي الجليل كان مشبعًا بمعاني العبودية والحب والطاعة والتطلع إلى رحاب الله  كانت إجابته (أصبحت مؤمنًا) فيسأله الرسول (فما حقيقة إيمانك) ويكون الجواب الذي  يصدر عن إنسان يخالط الدنيا ببدنه ونفسه معلقة بالسماء ( كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورن فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضارون فيها) فتكون النصيحة ممن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم كما وصفه ربه عز وجل (يا حارثة عرفت فالزم)..

 

ولعل أهم جانب في (جوانب التكوين) عند الإخوان المسلمين هو الجانب الأخلاقي فقد اهتم به الأستاذ البنا- رحمه الله- اهتمامًا كبيرًا أكد عليه بشدة وكان رضي الله عنه يعتبر أن  أهم مرحلة في عملية التغيير الاجتماعي هي مرحلة (الارتقاء الأخلاقي) وكان يسميه (عصا التحويل).. كالعصا التي تحول اتجاه القطار أو الترام من اتجاه إلى اتجاه.

 

خلق الله النفس وسواها تسوية مبدعة وأوضح لنا سبحانه وتعالى أن الإنسان يستطيع أن يزكيها أو أن يدسيها كما ورد في الآية الكريمة.. التي  نسبت هذه المسألة للإنسان فالتسوية والإلهام بالتزكية والفجور له سبحانه وتعالى أما التزكية والتدسية فتكمن في الإنسان الذي خلقه الله  وأودع فيه أمانة التكليف وهي (الإرادة الحرة) في الاختيار.. نفهم ذلك أيضًا من قوله تعالى ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ فالإنسان بإرادته يستطيع أن يقوم بعملية التغيير فينزع السيئ ويحل محله الحسن..

 

 الصورة غير متاحة
 
وتزكية النفوس كما ذكر علماؤنا وفقهاؤنا تكون بالعبادات وما يشابهها من أعمال.. كالصلاة والصوم والإنفاق والذكر والتلاوة والتفكر والمحاسبة وذكر الموت.. وكل ذلك يثمر بطبيعة الحال آجلاً أو عاجلاً ثماره على الجوارح فيتبدى (حسن الخلق) في السلوك والمعاملات.. مع الله ومع الناس.. ومن المهم هنا أن نتذاكر بأن تزكية النفس من فضل الله ورحمته.. وجاء في الحديث الشريف (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها).

 

فما بين جهد يبذله العبد في التزكية والترقي بالنفس وما بين دعاء إلى ولي النفس ومولاها يكون العمل والرجاء ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾.. كما تقول الآية الكريمة..
من المهم بدرجة كبيرة أن نعلم يقينًا أن الأخلاق الإنسانية قابلة للتغيير والتعديل.. نؤمن بذلك من هدى القرآن وسنة النبي- صلى الله عليه وسلم- فتذكر لنا الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا..﴾ ويقول الحديث الشريف (العفاف بالتعفف والصبر بالتصبر والحلم بالتحلم) ويذكر الإمام أبو حامد الغزالي في شرحه لحديث الرسول الكريم (حسنوا أخلاقكم) أن من البديهي العلم بأن الأخلاق الآدمية قابلة للتغيير إذا علمنا أن أخلاق الحيوانات قابلة للتغيير! .. وهو يرى أن الأخلاق مرتبطة بالدين والعقيدة ارتباطًا كبيرًا فيقول (إن الأخلاق لا يمكن أن تتم أو تتحقق إلا بالاعتقاد بالله وبصفاته وبخلود النفس والد