بقلم: د. محمد عبد الرحمن
المسلم مثقف الفكر، مرهف الحس، رقيق المشاعر، يميز بين القبح والجمال، وهو مع انفتاحه على العالم وعلى الآخرين إلا أنَّ له ميزانًا خاصًّا مستمدًا من الإسلام، يزن به الأمور ويميز به الصواب من الخطأ، وهو في أحاديثه ومشاعره وسلوكه له صبغة مميزة- صبغة الإسلام- ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً...﴾، ولهذا يحرص الأخ المسلم على مصطلحاته وشعاراته الإسلامية، وصبغته الإسلامية.
وهو اليوم في عالمٍ فسيحٍ منفتحٍ إعلاميًّا تتلاطم فيه أمواج الفلسفات والمذاهب والمصطلحات المختلفة، وكل يومٍ نسمع شعارًا جديدًا ومذهبًا مستحدثًا، وتقليعة مفاجئة.
والمسلم وسط هذا الخضم ثابت الجنان، واثق بدعوته، قادر على التمييز، ويزن كل ذلك بميزان الإسلام، لا تخدعه الألفاظ عن حقائقِ الأشياء وجوهرها.
ومن هذه المقولات التي انتشرت وسادت، مقولة "قبول الآخر"، وهي مقولة تحتاج في ألفاظها إلى ضبطٍ شرعي، فما مفهوم القبول وما مداه؟ وما المقصود بالآخر ونوعه؟
لقد أعطانا الشرع ميزانًا نقيسُ به الآخر، وحدد له منهجًا قويمًا للحبِّ والبغض في الله، وقد يكون الآخر عدوًا أو معتديًا ظالمًا. ومفهوم القبول قد يشمل معنى الرضا القلبي، وهو أمرٌ يُمتنع شرعًا إذا كان لباطلٍ أو لإثم.
وإذا كان المعنى المقصود هو سعة الصدر مع المخالفين فإنَّ الإسلام له تعبيراته وألفاظه في هذا الميدان، مثل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا...﴾، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ...﴾، ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا...﴾، ويقول الإمام الشهيد في رسالة دعوتنا عن الإخوان المسلمين: "فهم لهذا أوسع الناس صدرًا مع مخالفيهم".
ونستطيع وفق ضوابط الشرع أن نُعبِّر عن هذا المضمونِ الحسنِ بمقولة: "حسن التعامل مع الآخر" بدلاً من هذا الشعار الوافد "قبول الآخر".
وهذا التعامل الحسن مع الآخرِ ينطلق من موازين الشرع، يقول الإمام الشهيد: "والناس عند الأخ الصادق ستة أصناف: مسلم مجاهد، أو مسلم قاعد، أو مسلم آثم، أو ذمي معاهد، أو محايد، أو محارب.. ولكلٍّ حكمه في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام تُوزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء أو العداء" (رسالة التعاليم).
ومع هذه المرجعية لأحكام الاسلام، فإنَّ الأخ المسلم لا يجعل من نفسه قاضيًا أو حكمًا على الناس وأشخاصهم، إنما هو ينظر للظاهرِ والمواقف المعلنة ليحدد ميزان التعامل، كما أن ميزان الحب والكره في الله يقوم على أنه يكره الفعل والخطأ بصرف النظر عن ذاتِ الشخص، ومع هذا التحديد الواضح والميزان القاطع في النظرة للأشخاص، فإن الإسلام لا يمنع من التعامل مع هذه الطوائف من منطلقِ الدعوة، فهو صاحب دعوة يوجهها للجميع، ويتعامل مع الجميع، كلٌّ حسب ما يناسبه.
وبالنسبة لنقطةٍ أخرى تختص بالدعوات الباطلة في عقيدتها أو مبادئها وأهدافها، إذا قطع بذلك الإسلامُ وحكم به باتفاق، فإنَّ لأصحابها الحريةَ في أن يعتقدوا ما يشاؤون ويُوضحوا ما اعتقدوه، فقد كفل الله لهم ذلك، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيّ﴾ (البقرة: من الآية 256)، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ (الكهف: من الآية 29).
لكن لا أقول إن لهم الحقَّ في ذلك أو في اعتقاد ذا أو أن يكون عندي القبول القلبي بذلك الباطل أو هذا الكفر، فهناك فرقٌ بين الحقِّ والحرية وكذلك بين حسن التعامل وبين القبول والرضا.
فهناك حرية كاملة لكل إنسانٍ أن يعتقد ما يشاء، وأن يتحمل نتيجة هذا الاعتقاد، وتأتي أحكام الإسلام التي بيَّنها الفقهاء لتحديدِ مستوى المسئولية ومداه في طباعة هذا الاعتقاد والإعلان عنه.
ثم أيضًا مقولة المجتمع المدني بمرجعية إسلامية فقد فهم منها خطأ أن يكون الإسلام مجرد مرجعية نرجع إليه في بعضِ الأمور، وبكيفية معينة، لهذا لا بد من دقة ضبط الألفاظ وتحرير المصطلحات.
فنحن نهدف إلى إقامةِ المجتمع المسلم، والحكومة الإسلامية، والأخلاق الإسلامية؛ فالإسلام ليس مجرد مرجعية؛ إنه أوسع من ذلك وأشمل وأعمق، إنه منهج حياة متكامل ليس بديلاً عن المجتمعِ المدني أو موازيًا له أو شيئًا إضافيًّا معه.
فالمجتمع المدني والحضارة والدولة جزءٌ منه، فهي دولة ووطن وحكومة وأمة- كما أوضح ذلك الإمام الشهيد في ركن الفهم.
والإسلام يصبغ كل شيء بصبغته الربانية، فنعيش حياتنا ونقيم مجتمعنا وفق منهج الإسلام وصبغته، لنكون مجتمعًا إسلاميًّا، نبلغ فيه قمة المدنية والحضارة بكل معانيها، وليس مجرَّد مجتمع مدني مرجعيته العامة الإسلام.
ولا بد من وضوحِ هذا الفهم الدقيق عند كل أخٍ مسلم، لكن أحيانًا عندما نتكلم عن أهدافنا أمام الأجانب والآخرين جاهلين بمفهوم الإسلام، لا يعرفون المقصود بالمجتمع الإسلامي ويظنون أننا نقصد دولة دينية وحكومة دينية، وتاريخهم ليس فيه إلا هذا المعنى- أي حكم الكهنوت ورجال الدين- وهذا أمر غير موجود في الإسلام لهذا فقط في ذلك الموضع لنشرح لهم دعوة الإسلام وأهدافها بما يستطيعون استيعابه، نقول لهم المقصود من الحكومة الإسلامية والمجتمع الإسلامي دولة مدنية بمرجعية لأحكام الإسلام وتوجيهاته.
ومثل ذلك أيضًا في الشرح وتوضيح مصطلح الديمقراطية والشورى التي نتمسك ونعتز بها كركنٍ من أركان النظام السياسي الإسلامي في الحكم.
إن مصطلح رجال الدين مصطلحٌ غربيٌ ليس موجودًا بهذه الصفة في منهج الإسلام، فكل المسلمين رجال دين، وليس لعلماء الإسلام أي احتكارٍ أو كهنوت أو تميز نوعي عن باقي الأمة.
وكذلك المصطلحات والألفاظ التي تقسم الأفكار والقوى والتجمعات مثلك القوى التقدمية والرجعية، أهل اليمين واليسار....إلخ، فكل هذه الألفاظ لا قيمةَ لها في ميزان الأمور؛ حيث إنَّ ميزانَ الشرع هو الأساس، وإن المضمون والجوهر هو المحدود لحقيقة الأمر، دون الحاجة لهذه الألفاظ المطاطة أو الاتهامات المتبادلة، أو ننساق وراءها، فتضيع هويتنا وصبغتنا وموازيننا الإسلامية، وقد حذَّرنا الإمام الشهيد أن تخدعنا الألفاظ عن حقائق الأمور.
* وبالنسبة لتساؤلٍ قد يطرحه البعض، هل تشكل الجماعة وسيلة أم غاية؟
فإن الرؤية الواضحة المنطلقة من الباعث للدعوة تؤكد أن الجماعة ليست وسيلةً ولا غايةً، وإنما هي فريضة واجبة لتحقيق التكليف الشرعي، وهي تظل قائمةً ما دام التكليف الشرعي الباعث على إنشائها لم ينتفِ.
* ويُخطئ البعض حين يظن أن التكوين التربوي للأفراد مرحلة، وأن العمل مع المجتمع مرحلة تالية قد دخلنا إطارها وفعاليتها، فالعمل مع النفس والمجتمع وحدة واحدة، ووجهان لعملة واحدة، لا ينفصلان، يسيران معًا، ويتبادلان التأثير، فإيمان الفرد وإبلاغه الرسالة للناس واجبٌ عليه حتى ولو فقه آيةً واحدةً من كتاب الله.
* ومراتب العمل التي أشار إليها الإمام الشهيد من تكوين وإصلاح الفرد والبيت والمجتمع، هي مراتب متوازية مترابطة، وليست مراحل تنتقل فيها الدعوة من مرحلةٍ إلى أخرى.
لكن الفعاليات والوسائل المستخدمة قد تشهد اتساعًا أو ضيقًا أو تطويرًا حسب المناخ والأحوال والظروف التي تمرُّ بها الجماعة في أي محور من هذه المحاور.
وبهذا يتضح خطأ مقولة إننا دخلنا في مرحلة تكوين المجتمع المسلم، فإصلاح المجتمع أمرٌ مستمرٌ منذ بداية الدعوة تعمل عليه الجماعة ككل، وكذلك الأفراد حسب جهده وطاقته، ونستطيع أن نصف المناخ الحالي، بأن فيه اتساعًا لمساحة ووسائل العمل مع المجتمع.
* ومن الأمور المهمة في الفهم والعمل وخاصةً عند مَن يشارك بدرجةٍ كبيرةٍ في فعاليات إصلاح المجتمع ألا ينسى الجماعة وأهدافها والعمل على تقويةِ دعائمها وترسيخ أساسها والارتفاع ببنائها، فهي الركيزة الأساسية لأي إصلاحٍ نريد منه أن يصبَّ في تحقيق الأهداف الكبرى، وهي القاعدة الصلبة التي تصمدُ في مواجهةِ الضغوط والمعوقات، وتضمن عدم الانحراف والزوغان عن الطريق المستقيم، ولا يجوز لمَن يعمل في صفها أن يقول لقد تجاوزنا مرحلة الجماعة والتركيز عليها إلى مرحلة المجتمع.
إنَّ أي ذوبان للجماعة أو إضعافٍ لبنائها أو إهمال لكيانها ونموها أو ضعفها لدورها القيادي في الدعوة بأي حجةٍ من الحجج، لهو بمثابة ضربة موجهة إلى الأهداف الإسلامية الكبرى وإلى المشروع الإسلامي لنهضة الأمة واستعادة دورها القيادي في العالم.
يقول الإمام الشهيد في رسالة دعوتنا: "إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة مبدأ"، ويقول: "إن هذه الدعوة لا يصلح لها لا مَن حاطها من كلِّ جوانبها ووهب لها ما تكلفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته".
"فهذه الدعوة لا تقبل الشركة؛ إذ إن طبيعتها الوحدة، فمَن استعد لذلك فقد عاش بها وعاشت به".
ويقول أيضًا في رسالةٍ (إلى أي شيء ندعو الناس): "يا قومنا، إننا نناديكم والقرآن في يميننا.. والسنة في شمالنا.. وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا"،"... وندعوكم إلى الإسلام.. وتعاليم الإسلام.. وأحكام الإسلام وهدي الإسلام، وإن كان هذا من السياسة عندكم فهذه سياستنا".
"أيها المسلمون... عبادة ربكم والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم مهمتكم في الحياة".
ويقول في رسالة (اجتماع رؤساء المناطق): "قد أعلنتم من أول يوم أن دعوتكم (إسلامية صميمة) على الإسلام تعتمد ومنه تستمد.. فهمتم الإسلام فهمًا شاملاً، فآمنتم به نظامًا اجتماعيًّا كاملاً يصحح للناس أوضاع مجتمعهم في كل شيء، وآمنتم كذلك بأنَّ من واجب المسلم الحقَّ أن يُجاهد في سبيل هذا الإسلام حتى يُهيمن على المجتمع كله، ويحتل مكانه الذي هيَّأه الله له في دنيا البشر، وآمنتم بأن ذلك أمرٌ ممكنٌ ميسرٌ لو أراده المسلمون واجتمعوا عليه وعملوا له".