بقلم: هشام فؤاد

طريق الدعوة إلى الله تعالى وفي سبيل دينه نبع المحبة ومعنى الحياة وأفضليتنا بين الأمم..
والناظر إلى الصف الدعوي- للوهلة الأولى- يجد أن الرافد الأساسي لاستمرار هذه المسيرة ونجاحها يكمن في هذا الحب المتوقد في قلوب العاملين لله.. وروح التضحية والانسجام بينهم..

 

وكما هي السنة الخالدة.. فإنه- مع تقادم العهد- لا بد أن يعتري الماء قذى، ولا بد أن يعتري النبع بعض الكدر.. ولأن الدعاة بشر يخطئون ويصيبون فقد يلاحظ أن هناك جفاء بين بعض العاملين لله تعالى على طريق الدعوة إلى الله.. جفاء قد يكون شعوريًّا، وقد يكون في التعاملات الحياتية بينهم، أو حتى في الأعمال الدعوية التي تجمعهم.. وقد يصبح ظاهرة تجعل من الضروري- بل من اللازم والواجب- علينا أن نتلمس أسبابها بشيء من العمق حتى نتمكَّن من علاجها ودحرها في مهدها.

 

1- تربية منقوصة.. وغاية من العمل غائبة:

فإذا نظرنا مثلاً إلى عنصر التربية- كعنصر أساسي في تكوين شخصية الداعية- فإننا نجد أن غياب عنصر (الغاية من الأعمال الدعوية) في التربية، أو عدم وضوحه، من أهم أسباب الجمود والروتينية في ردود أفعال المسلم الداعية.. ويؤثر في فهمه لرسالته بوضوح.. وهذا يؤثر على سلوكه- بالتبعية- داخل الصف الدعوي.. وعلى رقة قلبه للأحداث.. ورهف مشاعره للمؤثرات المحيطة وتفاعله معها.

 

فهو يلعب دور الموظف المكلف بأعمال يجب أن ينجزها.. دون أن تكون له دراية كاملة بمقاصدها.. ومردوداتها السعيدة في الدنيا، وجزيل ثوابها عند الله تعالى.

 

فتجده- على سبيل المثال- يدعو إلى مقاطعة البضائع الصهيونية أو الدنماركية ويجهد لها، دون أن يكون ملمًّا بالأدلة الكاملة وآراء الفقهاء في مشروعيتها، والردود القاطعة على شبهات منكريها.. ودون أن يكون ملمًّا بفائدتها الاقتصادية والسياسية، ومدى ما تحدثه من تأثير على الأعداء.

 

وتجده مثلاً يدعو إلى كفالة الأيتام، ولكنه غير عارف معرفةً تامةً بثواب كافل اليتيم عند الله تعالى.. وغير ملمٍّ بالفائدة الاجتماعية والاقتصادية لكفالة الأيتام.. ومردودها الإنساني.

 

تجده يحض غيره على قراءة الأذكار والمأثورات.. بل ويقرؤها في كل يوم صباح مساء دون أن يعرف فائدة كل ذكر منها على حدة، وما يقي منه هذا الذكر أو ما يجلبه من نفع، وتجده يقف مع مرشح التيار الإسلامي في الانتخابات، ويعطي من ماله ووقته وجهده وراحته الكثير.. دون أن يفكر ولو لدقائق (لماذا أقوم بذلك وما فائدته؟؟)..

 

ولست أعني هنا التثبيط للأخ وألا يطيع مباشرةً في ما كُلِّف به.. أو أن يمتنع عن فعل الخير والدعوة إليه.. ولكن قصدت أن يكون الأخ على بينةٍ وقناعةٍ تامتين بما يقوم به من أعمال.. لأنه لو لم يفعل، سيشعر برتابة مفرطة في عمله الدعوي والعبادي.. ولن يشعر بالمردود النفسي السعيد لدعوته؛ لأن عناء العمل طغى على لذةِ النتيجةِ التي لم يحصل منها إلا على القليل.. وكونه لا يشعر بسعادة ولذة لما يقوم به فإن هذا يُشعره بالملل والسأم مما يفعل.. وينعكس ذلك على تعامله مع أقرانه على الطريق.. ويكون تعامله معهم جامدًا مع قليل من الود.. فهم ليسوا أهله على حد فهمه.. ولكنهم زملاؤه في العمل الروتيني الممل..

 

وبتعبير آخر.. يشعر الأخ أن الميدان الدعوي ليس الميدان الذي هو فارسه الأروع المبدع فيه.. بل إنه يعتبر نفسه واحدًا من الأفراد المقود فحسب.. مع اختلاف درجة هذا الشعور من شخصٍ لآخر بطبيعةِ الحال.

 

أما من يعرف غايته من كل عمل يقوم به في طريقه إلى الله، فهو راسخ على طريقه، مطمئن النفس، سعيد بكل ما يفعله، حتى وإن لم يجن ثمرته بعد.. وبالتالي فهو يسري بين إخوانه بروح العزيمة والمواساة والرحمة والحب لهم.. ولا عجب.. فهو يعرف النهاية السعيدة لأفعاله.. وهو سعيد بذلك.. فحق أن تنتقل سعادته لكل مَن جاوره أو تعامل معه أو لامس صفاء نفسه.

 

وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى نقطة شديدة الارتباط بمسألة التربية للسائرين على طريق الله.. ألا وهي التركيز على الزاد الإيماني للداعية