بقلم: د. عبد الحميد الغزالي

لا شك أن الحرب السادسة وما اصطُلح على تسميته بـ"الحرب على لبنان" أكدت منذ بدايتها في 12 يوليو الماضي وحتى وقف العمليات العسكرية وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1701 أن الخيار الوحيد الناجح أمام صلف العدو الصهيوني وهمجيته هو خيار المقاومة الإسلامية، التي تعتمد على عقيدةٍ واضحةٍ وإيمانٍ راسخٍ بالحق وإعدادٍ مسئولٍ، سواءٌ بالنسبة للفرد أو العتاد المناسب أو الأخذ بأسباب التكنولوجيا وثورة المعلومات، ثم التصميم على مواصلة ردِّ الاعتداء مهما كانت التضحيات.

 

ولقد كانت حصيلةُ هذا الخيار في هذه الحرب السادسة أنها كبَّدت العدوَّ الصهيونيَّ من الخسائر في البشر والعتاد ما لم يتكبَّدْه في أيِّ حربٍ معنا منذ عام 1948م وحتى الآن، سواءٌ من حيث مدة الحرب والقتلى والجرحى والنازحين، وسواءٌ من الآثار السياسية السلبية أو الآثار الاقتصادية؛ حيث وصلت الخسائرُ إلى ما يقرب من عشرة بلايين دولار، سواءٌ في تدمير البنية الأساسية أو المصانع أو توقفها أو وصول السياحة إلى درجة الصفر.

 

ولعل الدرس البليغ الذي يجب أن يصل إلى دول أمتنا الإسلامية والذي يصل تعدادُها إلى مليار ونصف المليار أن دولةً صغيرةً من دولنا لا يتعدَّى تعدادُها أربعة ملايين وأن فصيلاً من شعبها (وهو حزب الله) لا يتعدَّى مقاتلوه في الأغلب ستة آلاف مقاتل؛ (لأنه لا أحد يعلم حقيقة العدد والعتاد وشبكة الأنفاق وشبكة الاتصالات) استطاع هذا الفصيل أن يحقِّق هذا الإنجاز وهذه المقاومة الباسلة.

 

هذه الحرب لم يبدأها- كما يدَّعي المدَّعون- حزبُ الله؛ إذ كان يُعدُّ لها قبل اختطاف الجنديَّين الصهيونيين من قبل قيام قيادة العدو بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية بشهاداتهم، وأيضًا بعد الموافقة على قرار مجلس الأمن رقم 1701 من قبل مجلس الوزراء الصهيوني توافرت التصريحات التي تسلم بقَهْر الجيش الصهيوني الذي ادَّعى الكثيرون أنه لا يقهر.

 

ففي تصريح لوزيرة الخارجية الصهيونية قالت حرفيًّا: إنه لا يوجد جيشٌ في العالم يستطيع أن يجرِّد حزبَ الله من أسلحته، كما صرح موفاز وزير الدفاع السابق والوزير الحالي في حكومة أولمرت أن الجيش الصهيوني بدأ ينهزم في هذه الحرب.

 

وبغضِّ النظر عن هذه التصريحات فترديد المسئولين الصهاينة رغبتَهم في إعادة الجنديَّين المختطفَين من خلال المفاوضات مع حزب الله خيرُ شاهدٍ على هذه الهزيمة التي بدأت وفقًا لادعائهم بسبب خطف هذَين الجنديَّين.

 

هذا الدرس يتعيَّن أن تعيَه أنظمتُنا العربية والإسلامية والتي صمتت صمتًا مشينًا في بداية الحرب وتواطأ بعضُها صراحةً، لدرجة أن يقول العدو الصهيوني إنه أخذ دعمًا وضَوءًا أخضرَ من الأنظمة العربية، بل إن البعض ردَّد أن أحد قادة هذه الأنظمة أرسل كتابةً إلى الحكومة الصهيونية يحثّها أن تُنهي أسطورة حزب الله بأسرع وقت ما!!

 

وهذه الأنظمة يتعيَّن أن تتصالح مع شعوبها؛ حتى تستطيع أن تُعيد إلى دولها الاستقلالية في اتخاذ القرار وتُعيد الإرادة المستقرة لهذه الدول، ومن ثَمَّ تقوم بما يجب أن تقوم به من دور؛ حفاظًا على الأرض والعرض وعلى عزة وكرامة دولها وأمتها.

 

ولعل الاختيار الأول في هذا الاتجاه هو دعم المقاومة الإسلامية ولبنان في معركتها السياسية مع العدو وفي إعادة إعمار لبنان التي دمَّرها العدوُّ، والتي تُعَدُّ خيرَ شاهدٍ على هزيمة هذا العدو، الذي ركَّز على تدمير البنية الأساسية وقتْلِ المدنيين وتشريدِهم دون أن يمسَّ القدرةَ القتالية لحزب الله الذي ما زالت صواريخُه تتساقط في آخر يوم من القتال، ووصل عددُها لأكثر من 250 صاروخًا في اليوم الأخير من الحرب.

 

وفي النهاية يتعيَّن أن نعمل جميعًا على وحدة هذه الأمة التي رضِيَت بالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا ورسولاً وبالقرآن دستورًا أمام الهجمة الشرسة من قِبَل أعدائها بزعامة الإدارة الأمريكية المتصهينة، ونهبَّ جميعًا لنقف يدًا واحدةً لإعمار لبنان الذي يستحق كلَّ دعم ومساندة؛ حفاظًا على موقفه المشرِّف ووحدة شعبه، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.