بقلم: الدكتور/ جابر قميحة
أمن الدولة يحوِّل عشرات المعلمين المنتمين للإخوان المسلمين إلى وظائف إدارية!!
(صعَّدت الأجهزةُ الأمنيةُ من حملاتها ضد القيادات التعليمية المنتمية لجماعة الإخوان المسلمين بعد أن حوَّلت العشرات منهم من وظائفَ تدريسية إلى وظائفَ إدارية، وشهدت محافظة الدقهلية تحويلَ عددٍ كبيرٍ من معلِّمي "الإخوان" إلى أعمال إدارية، وقد أثارت قراراتُ التحويل- التي ذُيِّلت بعبارة "القرار بناءً على كتاب الأمن"- غضبَ جموع المعلِّمين بالدقهلية، وخاصةً أن معظم مَن تمَّ استبعادهم من أعمال التدريس إلى أعمال إدارية يتمتعون بشعبيةٍ كبيرة؛ لأنهم من قيادات العمل النقابي وأصحاب نشاط خدمي يشهد لهم به جميع المعلمين.
من المتوقَّع أن تشهد الأيام المقبلة مزيدًا من التصعيد؛ بسبب نية الحكومة في إجراء انتخابات المعلِّمين التي تستعد لها جماعة "الإخوان المسلمين" من الآن، والتي اعتقلت أجهزة الأمن على خلفيتها 30 من أعضاء الجماعة في مصيف رأس البر يوم السبت الماضي؛ بدعوى عقدهم اجتماعًا لوضع "خطة تحرِّك لجان المعلمين التابعة للتنظيم، وبحث كيفية الاستعداد لخَوض الانتخابات النقابية ووسائل التحرك في أوساط المعلِّمين والطلاب وأولياء الأمور داخل دور التعليم، واستغلال مجالس الآباء في تحقيق أهداف الإخوان".
ويأتي ذلك بعد أن ألقت الشرطة في الشهر الماضي القبضَ على أكثرَ من 30 شابًّا إخوانيًّا في مصيف مرسى مطروح؛ بدعوى أنهم كانوا يعقدون اجتماعاتٍ تنظيمية).
إن ما ذكرتُه آنفًا خلاصةُ خبرٍ عُرِض من بضعة أسابيع في عدد من مواقع النت، وما ارتُكِب ليس جديدًا في وزارة التربية والتعليم في العهد المباركي، فهناك سوابق مؤسفة صارخة من أيام الوزير حسين بهاء الدين، فالليلة شبيهة بل مماثلة للبارحة، ولْنبدأ مقالَنا من أوله بعد الذي عرضناه سابقًا.
****************
لا يختلف اثنان في أنَّ شعبَنا المصريَّ الطيبَ شعبٌ "كروي"، تجري الكرةُ في دمه، وتشغل من فكره ووقته مساحاتٍ واسعةً، وأعرف أصدقاء وزملاء لا يفتحون الصحيفة اليومية ابتداءً إلا على صفحة الرياضة لمتابعةِ أخبار كرة القدم، والاطِّلاع على الوصف التفصيلي لمباراة تهمّهم، وتُشعل حماستهم.
وبعد إحدى المباريات الأخيرة المهمَّة أجمع النقَّاد الرياضيون على أن مِن أهم أسباب هزيمة "النادي الكبير" أن مدرِّب الفريق وَضَعَ بعض اللاعبين في غير مراكزهم، وأنه "سحب" من المباراة لاعبًا، وأحلَّ مكانه لاعبًا آخر أقلَّ منه في مستواه، وأسْرَف بعضهم فاتَّهَم المدرب "بسوء النية"، والحرص على "تدمير" الفريق، وتخريب النادي الكبير.
ولا يهمني من هذه الثرثرة إلا أن أؤكد قاعدةً لا يختلف عليها عاقلان، وهي أن "المسئول القيادي"- أيًّا كان موقعه- عليه في حالة التغيير وإحلال البديل أن يتوخَّى العدلَ والإنصافَ، وتحقيق المصلحة العامة، وألا يحتكمَ للهوى والعشوائية، وقصر النظر، وضيق الأفق.
*********
ولكن.. لنترك الكرة والكرويين، ولْنَعِشْ لحظاتٍ مع المثال الافتراضي الآتي:
لو أن قائدًا عسكريًّا كان يقف بقواته في خطِّ المواجهة مع العدو، وفجأةً "انتقى" هذا القائد الكبير أقوى جنوده وأفضلهم وأعلمهم بفنِّ القتال، وسحبَهم من مواقعهم، ليعملوا في مخابز الجيش ومطابخه، لإعداد الوجبات للجنود والضباط، وهي عمليةٌ لا يعجز عنها العُرج والعور والعُميان.. لو أن قائدًا عسكريًّا فعل ذلك بحسن نية، لكان هذا من قبيل "الخطأ الجسيم" الذي يقطع بعدم صلاحيته للقيادة، ولا يُعفيه من المحاكمة "حسن نيته"، أما إذا كان سيئ النية ففعله هذا يصدُق عليه وصفُ "الخيانة العظمي"، أما نتيجة المواجهة مع العدو فهي معروفة مقدَّمًا.. هزيمة ساحقة بسبب تصرف هذا القائد "العبقريّ جدًّا".
مثال من حياتنا "المدنية"، ومثال من حياتنا "العسكرية" خَطَرا لي، وأنا أتذكَّر الخبر الذي قرأته سابقًا في الصفحة الأولى من (آفاق عربية) (العدد 497- الصادر في 22/2/2001م):
"اعترف الدكتور حسين كامل بهاء الدين- وزير التربية والتعليم- بأن نقلَ المدرسين والمدرسات الملتزمين دينيًّا إلى أعمال إدارية بالوزارة إنما يأتي بناءً على أوامرَ من جهاز مباحث أمن الدولة ووزير الداخلية، وقال الوزير- على هامش لجنة التعليم بمجلس الشعب-: إذا أردت أن تُطاع فأْمُرْ بما يُستطاع، وبلغ عدد المعلمين والمعلمات المحوَّلين والمحوَّلات إلى وظائفَ إدارية 1500 (ألفًا وخمسمائة متدين ومتدينة).
*********
وهذا الخبر يعكس دلالات خطيرة جدًّا يتلخص أهمها فيما يأتي:
1- أن صفة التدين والالتزام الديني تعتبر خروجًا وشذوذًا يستوجب المؤاخذة والعقاب.
2- أن قرار الوزير بإخراج هؤلاء من "مواقع إنتاجهم" الطبيعية التي أُهِّلوا لها إلى مواقعَ لا تناسب مؤهلاتهم قرارٌ لم يصدُر بدافع الحرص على مصلحة المجتمع، ولكن جاء بدافع النقمة، على سبيل الانتقام والعقاب.
3- أن وزير التربية لا يملك "استقلالية" اتخاذ القرار، مع أنه يمثِّل- أو المفروض أنه يمثِّل- قمةَ السلطة في وزارته، فهو من الناحية العملية يتنازل عن "سلطته الفوقية"- بوصفه وزيرًا له أعلى سلطة في نطاق وزارته باعتراف الدستور والنظام القانوني للدولة- لسلطة موازية لا تملك دستوريًّا اتخاذَ القرار في نطاق وزارة التربية والتعليم، وهي سلطة وزارة الداخلية.
4- أن سيادة وزير "تربيتنا" يعتمد في "تقييم" رِجَاله على جهاتٍ لا علمَ لها لا بتربية ولا بتعليم، وأَيْسَرُ ما يقال عنها في هذا المقام بأن معايير تقييمها للمعلِّم تختلف تمامًا عن المعايير التي وضعتها وزارة التربية والتعليم لتقييم معلِّميها، وموظفيها الإداريين.
قرار تدميري يا وزير!!
والقرار بتحويل هؤلاء المعلِّمين المتدينين إلى وظائف إدارية يُعدُّ قرارًا عدوانيًّا تدميريًّا بكل معنى الكلمة:
1- فهو يُعدُّ تحديًا، بل ضربةً للدستور الذي لا يفرِّق بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين والعقيدة والتوجهات المذهبية أو السياسية.
2- وهو ضربةٌ للعملية التربوية والتعليمية؛ لأنه يحرِم مدارسَنا من صفوة المعلِّمين الأمناء المتخصِّصين، وهم يفوقون غيرَهم علمًا وقدرةً على الأَداء والعَطاء في كل الموادِّ الدراسية، وخصوصًا التربية الدينية واللغة العربية؛ لأنهم يحفظون القرآن أو أجزاء كثيرة منه، ويملكون ثقافةً دينيةً طيبة، ويلتزمون بالسلوك المستقيم السويّ، وما أحوجَ مدارسِنا لمثل هؤلاء!!
3- وهو ضربةٌ لاقتصاد الدولة وإهدارٌ لمالها، ففي الوقت الذي تعاني فيه المدارس النقصَ الفادح في المعلِّمين المتخصصين يصدر "القرار المدمّر" ليزيد الطين بلَّةً، وتستعين الإداراتُ التعليمية بمعلمين "على المعاش" وطلابٍ من الراسبين في السنة النهائية بالجامعة للتدريس "بالقطعة"؛ مما يكلِّف الدولة الكثيرَ والكثيرَ.. هذا في الوقت الذي يُحوَّل فيه المعلمون المتخصصون إلى "مخابز" الدواوين، و"مطابخ" الإدارات التعليمية، فنرى خرِّيج "دار العلوم" يُلقى في "الحسابات"، وخرِّيج كلية اللغة العربية في "الأرشيف" وخريج كلية التربية في "المعاشات".
ومن الناحية العملية لا يزاول هؤلاء عملاً؛ لأن هذه المصالح والدواوين متخَمة بعمالة زائدة، كما أن هؤلاء "المحوَّلين" المغضوب عليهم لا عِلْم لهم بأبسطِ جزئيات هذه الأعمال الغريبة والبعيدة عن تخصصاتهم، فالقرار المدمّر إذن ساعَد- بتفوُّقٍ ظاهر- على تفاقم البطالة، لا أقول المقنَّعة، ولكن أقول الظاهرة الصريحة الواضحة.
4- والقرار يعَدُّ ضربةً "للحكم الحاضر" من حيث أراد الوزير بقراره حمايته؛ لأن شعور المواطن بظلم فادح يقع عليه يوجِّهه- تلقائيًّا- لا إلى كراهية القرار وصاحبه فحسب بل كراهية النظام القائم كله، ومثل هذا المُواطن له أسرةٌ، وأصدقاء يتعاطَفون معه، ويشاركونه شعورَه، وقد يشتدُّ هذا الشعورُ ويتفاقمُ، فينال من ولاءِ المواطنِ المظلومِ لوطنه، فالخاسرُ الأولُ بهذا القرار الغريب هو النظامُ والوطنُ، زيادةً طبعًا على العلم والتعليم والتربية والقيم الخلقية.
آه لو كنت مكانك..!!
لو كنت مكانك يا "وزير تربيتنا" لأقَمت كلَّ عام احتفالاً "للتفوق الديني" أكرِّم فيه أظهَرَ المعلمين تدينًا، وأفْضلَهم سلوكًا، وأقدَرَهم على تدريس التربية الدينية، وأُكرِّم كذلك الطلابَ العشرةَ الأوائل في التربية الدينية في الثانوية العامة من مسلمين ومسيحيين.
فإذا كان هناك حرجٌ في تحقيق هذا الأمل فإني أدعو إلى دمج وزارتَي التربية والداخلية في وزارة واحدة، ولْيكن اسمُها "وزارة الداخلية والتربية والتعليم" أو "وزارة الداخلية التربوية"؛ وذلك منعًا للحَرَج، وحِرصًا على توحيد الجهة التي تُصدر القرار.