عبد الله فرج الله

بقلم: عبد الله فرج الله
نذكِّر بهذه المقولة التي تَعَارف عليها أجدادُنا الأولون، رحمهم الله، وتعاقبت التجارب الإنسانية في تاريخها الطويل على صدقِها وثباتِها، نذكِّر بها جموعَ الظلمةِ والظالمين، الذين جعلوا الظلمَ شعارَهم، الذي يحكم سلوكَهم، ويوجِّه تصرفاتِهم.. فجعلوه أساسَ حكمِهم، ومنطلقَ دولِهم، حتى عميت أبصارُهم، وغابت عقولُهم، فانقلبت في حياتهم الحقائقُ، وتعطَّلت الموازين، وضلَّت الأفهام، وانحرفت الأحكام.. فكان العدل كل العدل في فهمهم المعوج، مع القوة الباطشة، والغلبة الهادرة، والجريمة الطائشة... فحتى تكونَ على الحق المطلق، فكن قويًّا، تمتلك أسباب القوة والبطش والإرهاب.. عندئذ فقط تكون على الحق، إنه منطق حق القوة، الذي يتجذَّر عند غياب قوة الحق.
ونذكِّر بها أيضًا جموعَ الذين يسيرون في ركاب هؤلاء الظلمة والمجرمين، يشاركونهم ظلمهم، ويشاطرونهم أفعالَهم، ويناصرون قراراتِهم، حتى وإن كان ذلك بكلمةٍ تبريرية، أو إشارةٍ تفسيريه، فضلاً عمن يدبِّج في مديحهم الخُطبَ المطولة، ويبادر إلى صياغة القوانين المؤقتة والدائمة، ويبادر إلى تقديم الخدمات (اللوجستية)، التي تقوِّي موقفَهم، وتدعم سلوكَهم، وتيسِّر سُبلَ تنفيذ خططِهم وبرامجِهم.. وتُبقي على مكاتبِهم وسفاراتِهم وسفرائِهم.. توفِّر لهم الأمنَ والحماية.
بل لا يقل عن هؤلاء جرمًا وجريمة مَن يلوذ بجدارِ الصمت، يختفي خلفَه، ويحمي به سوءَته، ويُؤْثِرُ صمتَ الأموات، ومِثْلُ الصامت أو المشارك مَنْ لا تهزه جرائم الظالمين، فيقشعِّر لها بدنه، وينهمر من هولها دمعه، وينطلق لسانه في جوف الليالي دعاءً على هؤلاءِ الظلمةِ وأعوانهم.
نذكِّر هؤلاء بهذه المقولة؛ حتى يعلموا أن عمرَهم قصيرٌ، وأمرَهم خطيرٌ، فهم إلى زوالٍ محتم، ونهايةٍ بائسة فظيعة، مع خيارهم الظلم، والانحياز للظالمين، فإن الظلمَ يُذهب القوة، ويُضعف الهيبة، ويَكسر الشوكة، فمع الظلم تنكسر الحواجز، ويتمرد القريب، ويكثر النفاق والمنافقون.. ولا خيرَ في مجتمع يكثر فيه النفاق، ويزداد فيه الظلم.. فينقسم الناس فيه إلى قسمين: الأول منافق يتملَّق، والثاني مظلوم يُعذَّب.
ما أقبحَ الظلمَ مع القوة! والحقائق الإنسانية الثابتة تُخبرنا أن الأقوياءَ لا يَظلِمون، ويأنفون من الظلم، ويأبون اتخاذه سلاحًا أو شعارًا، وحين تُتاح لك فرصة النظر في التاريخ الإنساني، وسير الأبطال من الحكام والقادة، لا تجد فيهم من جَمَع بين القوةِ والظلم، فَطَال به الحال، أوطَابَ به المقام، بل تجد الأقوياءَ ينزِعون إلى العدلِ والإنصاف، والمسامحةِ والمغفرةِ والنجدة والإغاثة، والمساعدة، ورفع الظلم، ورد المظالم.. كما هو شأن العظماء الذين يصنعون تاريخَ الإنسانية المشرِّف، فيتركون فيه بصماتِهم الرائعة.
لكنَّ الضعفاءَ الجبناء، الذين جُبِلت نفوسهم على الخسة والنذالة، فإنهم حين يملكون ناصيةَ القوة، لسبب من الأسباب، فإن هذه القوةَ لا ترتقي بهم إلى مصافِّ الأقوياء العظماء.. بل هم سرعان ما ينحدرون بها إلى دَرَكِ الخسة والنذالة.. فيعملون على التخلُّص من كلِّ الذين يعتقدون فيهم القوةَ والعظمةَ والهيبة.. حتى لا يبقى لهم منافسٌ ينازعهم الأمرَ ذات يوم.. هكذا تُسوِّل لهم نفوسُهم الذليلةُ الأمرَ.. وبهذا تدعوهم طويتُهم الخبيثة.
بالأمس وكعادتها القبيحة، خرجت علينا دولةُ قوة الظلم والبغي التي فقدت صوابها، وانطمست بصيرتها، فأصابها عمى ألوان مدهش، حتى ما عادت تفرِّق بين الأسود والأبيض، على بُعد المسافة بينهما.. فها هي ترى في قتلِ أسرةٍ بكاملها- خرجت في نزهة بحرية مسالمة على شطِّ بحرهم، وفي حدود أرضهم، وتحت سمائهم.. لا يحملون غيرَ الرغيف الذي سيأكلون، والطعام الذي سيطبخون..
ترى أمريكا دولة حق القوة، بل (بلطجة