عرفت كثيرًا من الرجال في مهام مختلفةٍ ومكاناتٍ مختلفة، ربما ترتفع المكانة أو الوظيفة بالرجل.. وقليلون هم من ترتفع المكانة بهم، مما يجعلك تحب هذه المكانةَ لوجود مثل هذا الرجل في هذا الموقع، وهكذا كان الدكتور محمد مرسي.
عرفته على طريق العمل الطلابي.. كموجِّه ومربٍّ ومشرف.. يوضِّح الرؤيةَ ويصحِّح المسار، وكعضو مجلس إدارة لنادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة الزقازيق.. يطوِّر الأداء ويؤدِّي الرسالةَ ويحفظ المكانة، عرفته كعضو لمجلس الشعب 2000م.. اختاره الناس وبذلوا الكثيرَ من التضحيات في سبيل هذا الاختيارِ فكان نموذجًا بحق يملأ المكان ويؤدِّي الدور، وفي انتخابات 2005م وقفت خلفه الجماهير؛ لأنها رأت الأفعال قبل أن تسمع الأقوال ويعتبره أغلب أبناء الدائرة أنه النائب الشرعي لدائرتهم بعدما حدث من تزوير فاضح.
عرفته مع الأحزاب والقوى السياسية.. متعاونًا ومحاورًا ومنسقًا ومتسامحًا، عرفته عضوًا بمكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.. يبلغ الرسالةَ ويوضِّح المفاهيمَ ويضبط الألفاظَ والكلماتِ، وسمعت من أحد أبناء الشرقية بعيدِ الصلة عن الإخوان يقول: "هكذا يجب أن تكون قيادة الإخوان.. ويكون أعضاء مكتب إرشادهم".
عرفته صبورًا جسورًا.. خير من يعبِّر عما يريد.. ذكيًّا.. لديه قدرةٌ عاليةٌ على الاستيعاب.. قائدًا بالفطرة.
دعوته أغلى عنده من أهله وولده، اعتُقل أحمد ابنه مرة وثانية وثالثة، فما لانت له قناةٌ ولم يتوسَّلْ إلى أحد، فهو رجل دعوة قبل أي شيء، أما هو فيُخطف من الميدان واقفًا بين إخوانِه وتلاميذه، مناصرًا للقضاة في مطالبهم، فيقدِّم النموذج والقدوة لأبناء الدعوة، ولسان حاله يقول "نقدم قبل الجند قادتنا".
وهو خير من يستوعب ويشرح لنا كلام الإمام البنا الذي قال: "أحب أن أصارحَكم أن دعوتَكم مازالت مجهولةً عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها أو يدركون مراميَها وأهدافَها ستلقى منهم خصومةً شديدةً وعداوةً قاسيةً، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات، وستعترضكم كثيرٌ من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أمَّا الآن فما زلتم مجهولين، ومازلتم تمهِّدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد.
سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبةً في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادَكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحدَّ من نشاطكم وأن تضعَ العراقيلَ في طريقكم.
وسيتذرَّع الغاصبون بكلِّ طريق لمناهضتكم، وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبارَ الشبهات وظلمَ الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كلَّ نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، معتدين بأموالهم ونفوذهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة:32) وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتنقلون وتشرَّدون، وتُصادر مصالحُكم وتُعطَّل أعمالُكم، وتفتَّش بيوتُكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت:2).
ولكنَّ الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)﴾ (الصف).
فهل أنتم مصرُّون على أن تكونوا أنصارَ الله؟!".. انتهى كلام الإمام. ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ (يوسف:81).