كان العالم يعيش قبل الإسلام عصورًا من "الدونيَّة" العارمة في كل مناحي الحياة:

- دونية في التشريع الذي حُرم روح العدل, ولم يرعَ إلا مقام السادة والأغنياء والأشراف.

- ودونية في العقيدة، ما بين وثنية ضارية, ويهودية مشوهة, ونصرانية منحرفة عن مسارها الرباني النقي الصافي, زيادةً على مذهبيات مدمرة كالمانوية والمزدكية والبوذية.

- ودونية في النظم والعلائق الاجتماعية ما بين سيادة وعبودية, سيد شريف يملك كل شيء, وعبد ضائع لا يملك شيئًا, بل كان يُعد "شيئًا من الأشياء".

- ودونية في مزاولة الجنس, حتى هبط كثيرون إلى درك أشد سفولاً من درك البهائم, والعياذ بالله.

- ودونية في العلاقات الدولية التي كان يحكمها قانون الغاب, فالسيادة للمنتصر الغالب, دون مراعاة لمنطق من رحمة وعدل.

 

ومن تراكم هذه الدُّونيات اهتزَّت- بل انحرفت- قائمة القيم والأخلاقيات, حتى جاء الإسلام فأخرج الناس من الظلماتِ إلى النور, ومن عبادةِ العباد إلى عبادة الله سبحانه وتعالي, وأعاد الاتزان والتوازن إلى المجتمع الإنساني ارتكازًا على القرآن والسنة, وأهدى البشرية "منهاجًا نموذجًا متكاملاً للحياة"، منهاجًا يضمن للإنسان الحياة الحرة الكريمة النقية.

 

ونموذجية هذا المنهج لم تعتمد على مثالية يوتوبية خيالية يستحيل أخذ النفس بها, كما لم تعتمد على واقعية لصيقة بالتراب, ولكنه منهجٌ يوازن بين المثالي والواقعي, ويوفق بينهما، مراعيًا قدرات الإنسان وإمكاناته, فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها, ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَي* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَي* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَي﴾ (النجم: من الآية 38: 40).

* * *

ومن الحقائق التاريخية أن المسلمين حقَّقوا أعظم انتصاراتهم وعاشوا كرامًا أعزةً بقدر اقترابهم من دينهم, وتمسكهم به, ثم كان سقوطهم في دائرة الدونية والانكسار لما نَسوا ربهم, وتنكَّروا لدينهم, فقذف الله في قلوبهم الوهن, وهو حب الدنيا وكراهية الموت.

 

ولنتأمل حديث زينب بنت جحش- زوج الرسول صلى الله عليه وسلم- قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فزِعًا محمرًا وجهه يقول: "لا إله إلا الله, ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" (وحلَّق بإصبعيه الإبهام والتي تليها) قالت فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال "نعم إذا كثر الخَبَث" (رواه الشيخان, واللفظ لمسلم).. قال الإمام النووي: والخبث فسره الجمهور بالفسوق والفجور, وقيل المراد الزنا خاصةً, وقيل أولاد الزنا، والظاهر أنه "العاصي" مطلقًا، وقال ابن حجر في فتح الباري: إنما خصَّ العرب بالذكر لأنهم أول من دخل الإسلام, وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم.

 

والحديث يُبرز حقيقة قطع الاستقراء التاريخي بصحتها، وهي أن "الفساد الداخلي" خلُقيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا يؤدِّي إلى سقوط الأمة وانكسارها أمام أعدائها؛ لأن هذا الفساد الداخلي الذي سماه النبي- صلى الله عليه وسلم- "الخبث" يهوي بالأمة إلى الضعف والفقر والمرض والصراع الداخلي وانشغال الناس بالدنيا, وانشغال الحكَّام باللهو والعبث والمظهرية والتعاظم عن واجبات الحكم, والمهم الخطير من الأمور.. فتصبح الأمة صيدًا سهلاً, ولقمةً سائغةً أمام أعدائها.

* * *

ولا يستطيع أحدٌ أن ينكر أن العرب والمسلمين يعيشون في الوقت الحاضر "عصر الخَبَث.. والويلات"، ويعجز المرء عن عرض كل مظاهر "الخبث", فقد صار هذا "الأصل" في السياسة والحكم والاقتصاد والأخلاقيات, وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله على حق وبصيرة تخلُّفًا ورجعيةً, ورِدةً حضاريةً.

 

ونتيجةً "للخبث" انقضَّت علينا الكوارث والهزائم والويلات.. هزيمة سنة 1948, وهزيمة سنة 1956, وهزيمة سنة 1967, حتى وصَفَنا أعداؤنا بأننا "المنهزمون أبدًا", ووصل الغرور "بموشي ديان" أن يقول لمن هنأوه بانتصاره سنة 1967: "إنه انتصارٌ لا يشرِّفنا".

 

وأصبحنا بعد ذلك تابعين لأمريكا والغرب في سياستنا ومناهجنا ولقمة عيشنا, وأصبحوا هم أصحاب اليد العليا, أما نحن فأصحاب اليد السفلى، وأصبحوا هم نموذج التقدم والرقيّ والغنى والقوة, وتحوَّلنا إلى مثالٍ مقزّز للتخلف والفقر والضعف والاستسلام, وبقي بأسُنا بيننا شديدًا, وقلوبنا شتَّى.

* * *

فأين نحن في واقعنا الحاضر المنهار المهزوم من ماضينا المشرق المنتصر؟ تقول الكاتبة الألمانية "زيغريد هونكه": لو أردنا دليلاً على مدى الهوَّة العميقة التي كانت تفصل الشرق عن الغرب لكفانا أن نعرف أن نسبة 95% على الأقل من سكان الغرب في القرون 9, 10, 11, 12 كانوا لا يستطيعون القراءة والكتابة, وفي الأديرة يندر بين الكهنة من يستطيع مسك القلم؛ لدرجة أنه عام 1291 لم يكن في دير القديس "جالينوس" من الكهنة والرهبان من يستطيع القراءة والكتابة, كان هذا كله يحدث في الغرب, بينما كانت آلاف من المدارس في القرى والمدن الإسلامية تستقبل ملايين البنين والبنات يتعلمون القرآن والقراءة والكتابة, وكان الدافع إلى كل هذا هو رغبتهم الصادقة في أن يكونوا مسلمين كما يجب أن يكون المسلم, فلم يجبرهم أحدٌ على ذلك, بل اندفعوا إليه عن رغبة وإيمان.

* * *

وتقول "زيغريد هونكه": كانت قرطبة تجتذب طلاب العلم من كل أنحاء الشرق والغرب أيضًا، تجذبهم بمدارسها العليا, ومكتبتها العظيمة التي جمع لها الخليفة "الحكم الثاني"- وهو من أشهر علماء عصره- نصفَ مليون من الكتب القيمة, جمعها له عشراتٌ من رجاله, وعلَّق الخليفة بنفسه على هوامش عدد كبير منها قبل وفاته, قبل نهاية القرن العاشر بأربعة وعشرين عامًا".

* * *

هذه صفحةٌ واحدةٌ من صفحات ماضينا المجيد في وجهه التعليمي.. يفزع إليها وإلى أمثالها في سفر الماضي العظيم مَن يتلمس قبسًا من الراحة والتعويض النفسي في حاضرنا المؤسف المكسور، ولن نستطيع أن نكون أمةً لها كيانها كما كانت في الماضي بما فيه من رِفعةٍ وسموٍّ وشموخٍ إلا إذا أخذنا أنفسَنا باسترفاد المنابع الصافية: القرآن والسنة وعمل السلف الصالح, وبذلك تتحقق هويتنا التي حرص أعداؤنا على إزالتها ومحوِها, حتى نكون طائعين مخذولين مستسلمين لأصحاب "اليد العليا" من أعداء الإسلام والعروبة.

 

ويجب أن تكون هذه العودة عودةً شاملةً صادقةً, مدفوعًة بإيمانٍ قويٍّ لا يلين, فنحقِّق بذلك هويتَنا, ويكون لنا شخصيتنا المستقلة ذات الإرادة الحرة, واليد العليا، وهذه الاستقلالية يجب أن تكون سمةً لكل مناشط الحياة: في الاقتصاد والتعليم والعسكرية والسياسة والشئون الاجتماعية.

 

فإذا تشكَّلت الأمة بهذا التكامل الحميد أصبح لها الاعتبار الكامل, وأصبحت مهيبةً في نظر أعدائها, فلا ينزع الله المهابة من قلوب أعدائها, ولا يظهر فيها الخبث, وتتطهَّر قلوب أبنائها من الوهن, وهو حب الدنيا وكراهية الموت, وتنطلق المسيرة الإسلامية الظافرة باستعلاء الإيمان وعزته.