بناء أمتنا الحبيبة مهمةٌ عظيمةٌ يجب أن تُشدَّ إليها الرِّحال، وأن يتمَّ العمل إليها على كل الأصعدة ومن خلال جميع المستويات، وأهم عنصر لبناء الأمة هو صناعة الإنسان الصالح، وتبدأ أولى خطوات صناعة الإنسان الصالح بالتأسيس الصحيح له قبل ولادته وبالتخطيط الرائع له وهو في عالم الغيب ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة التوبة: آية 109).

 

لذا حرص إسلامنا العظيم على رعاية الطفل قبل ولادته، وأمر بتأسيس لبناته الأولى على خير وجه ورسم معالم الطريق لتكوين الأسرة الصالحة القوية في أبدانها وأخلاقها والتي ستصبح فيما بعد المعملَ الصالحَ الذي يتكوَّن فيه الطفل والبيئةَ الصالحةَ التي يشب فيها الطفل ويترعرع في ظل رعايةٍ بدنيةٍ سليمةٍ وفي رحاب صياغةٍ تربويةٍ رائعةٍ، فينشأ فردًا صالحًا نافعًا لنفسه وأهله ووطنه وأمته.

 

فنحن نرى دينَنا الحنيفَ يأمر بإحسانِ اختيارِ كلٍّ من الوالدين أحدهما للآخر باعتبارهما اللبناتِ التأسيسيةَ للطفل، ويأمر برعايةِ الطفل منذ الوهلةِ الأولى لتكوينِه من الحيوان المنوي والبويضة، ويرشد إلى رعاية الأم في حملها باعتبارها المنبعَ والمصنعَ ويبيِّن حقوقَ الجنين في بطنِ أمِّه ويرشد إلى الأخذِ بكافةِ الأسبابِ الماديةِ والعلميةِ والتربويةِ لرعايته حتى يولدَ قويًّا صحيحًا سليمًا من العلل والأمراض محفوفًا بعناية الرحمن مصونًا من نزغات الشيطان.

 

ويخطئ مَن يظن أن رعايةَ الطفل لا تلزم إلا بعد ولادته، فلا يأخذ بأسبابِ الرعاية التمهيدية وينظر إلى الزواج على أنه مجرد إشباع للغرائز، وبعدها قد يفيق على كارثة يستعصي حلها أو مشكلة تجثم على صدره طوال السنين.

 

إذ قد يولد الطفل مصابًا بمرض وراثي انتقل إليه من أحد الوالدين وساعتها لن يجديَ معه علاجٌ ولن تنفعَ معه رعايةٌ.

 

وقد تتوفر الإمكانات المادية ويسلم الطفل من الأمراض الوراثية، ولكنه يتعرَّض لأحد الأخطار أثناء الحمل بسبب جهل الوالدين، فيولد مشوهًا معوقًا يتنكَّب في الحياة من أول لحظة لقدومه إليها.

 

وقد يسلم الجنين من المخاطر أثناء الحمل، ولكن يتعرَّض لولادةٍ تفتقر إلى الرعايةِ الطبيةِ المناسبةِ فتضيع الثمرة في وقتِ القطافِ أو تخرج معطوبةً غيرَ جيدةٍ في ذاتها وغير نافعة لغيرها.

 

وقد يسلم الطفل من كل ذلك ولكنه يُبتلى بسوء أخلاق أحد والديه أو كلاهما فينشأ في بيئة سيئة ويخرج شخصًا غير سوي،﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ (الأعراف: 58).

 

وقد يُحسن الاختيار (كل من الوالدين للآخر) وتتوفر الإمكانات المادية، ولكن ينقص الإرشاد والعلم والمعرفة اللازمة للوالدين، لكي يسيرا على هدًى وبصيرةٍ في تربيةِ أبنائهما، فتضيع الجوهرة الثمينة من بين أيديهما وتتلقفها ذئاب الإعلام وذئاب الشوارع وذئاب الميادين الكثيرة التي تعج بالفساد هنا وهناك، وبالتالي تضيع الأمانة وتكون التنشئة غير صالحة برغم صلاح الأبوين غير المؤهلين.

 

لذا وجب أن نعد للأمر عدتَه وأن نأخذَ بأسباب النجاح فيه من الجذور والأعماق وعبر كل المراحل والخطوات، وأن نعد أنفسنا جيدًا؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يستقيم الظل والعود أعوج وهكذا، فالبنيان القوي لا بد له من أساس قوي، وإذا حسن البدء حسن الختام.

 

الرعاية التمهيدية للطفل قبل ولادته تتطلب برامج كثيرة عبر المراحل الآتية:

(أ) الرعاية التمهيدية للطفل قبل الزواج

1- الاستعداد: بعد النضج الجسمي يتطلب الأمر نضجًا تربويًّا كافيًا وافيًا للقيام بأعباء الزوجية أولاً ثم القيام بالواجبات التربوية العظيمة في ميداني الأبوة والأمومة، ويكتمل مثلث الاستعداد بتوفر الإمكانيات المادية اللازمة لأعباء الحياة والمتطلبات الزوجية والمتطلبات التربوية.

 

2- الاختيار: اختيار الوالدين أحدهما للآخر هو الخطوة المهمة والواقعية نحو البداية العملية الصحيحة، ويقصد به حسنُ الإعداد لإيجاد طفل قوي الجسم متين الخلق.

 

 (ب) الرعاية التمهيدية للطفل بعد الزواج

1- الرعاية التمهيدية للطفل قبل الحمل.

2- الرعاية التمهيدية للطفل أثناء الحمل.

3- الرعاية التمهيدية للطفل أثناء الولادة.

 

وكل مرحلة من هذه المراحل لها طبيعتها الخاصة بها ومتطلباتها التي تتناسب معها ومشاكلها التي قد تطرأ فيها وبرامجها الخاصة برعايتها والارتقاء بها طبيًّا وتربويًّا وإسلاميًّا حتى نُخرِجَ النشأ المتكامل متينَ البناء عظيمَ الأركان ليحملَ خيرَ رسالةٍ فينهضَ بخيرِ أمة.

 

والعلم بهذه المراحل ومتطلباتها من أمور العلم الواجب الذي يجب أن نحرصَ عليه وأن نشدَّ الرحالَ إليه؛ لأن تربية جيل صالح أمرٌ واجبٌ، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وهذا ما سنكرِّس جهودَنا له في الفترةِ المقبلةِ بإذنِ الله تعالى، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا وإياكم لأداءِ هذه المهمة العظيمةِ.. اللهم آمين.