ونحن نعيش العبير الرباني الذي تبعثه ذكرى المولد النبوي الشريف، نذكر كلمات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عنه ابن عباس- رضي الله عنهما-:"إنَّ الله تعالى قسم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسمًا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾، وأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين".

 

ثم جعل القسمين أثلاثًا، فجعلني في خيرها ثلثًا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل، فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

 

فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله عز وجل، ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتًا، فجعلني من خيرها بيتًا، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33).

 

وقال له نفرٌ من صحبه: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، فقال: "أنا دعوة أبي إبراهيم- يعني قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129).

 

وبشر أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور بُصرى من أرض الشام، واستُرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بَهَمًا لنا، إذا جاءني رجلان عليهما ثياب بيض بِطِسْتٍ من ذهب مملوء ثلجًا، فأخذاني، فشقا بطني، ثم استخرجا منه قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علَقة سوداء، فطرحاها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه".

 

ووصفه ابن أبي هالة بقوله: "كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح".

 

وحينما سأله علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- عن سنته قال:"المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضاء غنيمتي، والعجز فخري (أي إظهار الضعف أمام الله)، والزهد دفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة".

 

المعرفة.. العقل.. الحب،.. الشوق.. ذكر الله.. الثقة.. سطور من قائمة القيم الأخلاقية الإنسانية العظيمة، شكلت النسيج النفسي لهذه الشخصية الجليلة، وكل صفة منها يمكن أن نردها إلى أصلها القرآني، ومن هنا نستطيع أن نُدرك مدى صدق السيدة عائشة حين قالت "كان خلقه القرآن".

 

ومما يُرسخ صدقية هذه الصورة أن تلتقي بشهادته- صلى الله عليه وسلم- عن نفسه، وشهادات الآخرين عنه، بلا خلاف، فهو إذن التقاء واعتناق وتعانق بين كلمة الذات المحمدية المباركة، وشهادات الآخرين، وهم من صفوة الناس وأشمخهم إيمانًا.

 

ولقد كان ميلاد محمد- صلى الله عليه وسلم- إيذانًا بميلاد "إنسان جديد" يوحد الله، ولا يحني جبهته إلا لخالق السموات والأرض، مؤمنًا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ويُخْلص الود والولاء- نظريًّا وعمليًّا- قولاً وفعلاً للمُثُل الرفيعة العالية.

 

وواجب علينا- نحن المسلمين- أن نتذكر.. ونتذاكر مواقف النبوة الهادية، ونستلهم منها الدروس، ونستقي منها العبر، بل يجب أن نرتفع بمشاعرنا وعقولنا إلى "درجة المعايشة، المعايشة الكاملة" لأعطيات خاتم الرسل، بل يكون "فينا" محمد- صلى الله عليه وسلم- لا يغيب عن قلوبنا، ولا ضمائرنا لحظة واحدة، وهذا هو "الميلاد المحمدي الدائم المتجدد" ومعه هوية شخصية المسلم لا تذبل، ولا تذْوى، فالمسلم الحق هو الذي يردد بالاعتناق والعناق، بلسان المقال ولسان الحال:

في ضميري دائمًا صوتُ النبيْ

آمرًا: جاهدْ، وكابدْ، واتعبِ

صائحًا: كن أبدًا حرًّا أبِيْ

كن سواءً ما اختفى وما علنْ

كن قويًّا بالضمير والبدنْ

كن عزيزًا بالعشير والوطنْ

كن عظيمًا في الشعوبِ والزمنْ

 

وهذا الميلاد المتجدد، المتمثل في "صوت النبي، متعمقًا القلوب والضمائر، يلزم المسلم الحق أن يجاهد في الحياة الجهاد بمفهومه الشامل النقي، باذلاً أقصى ما يملكه من طاقات في دأب واستمرار، وأن يحرص على تحصيل الحق، وتحقيقه، وأن يعيش في عزة، وحرية، وإباء، واستعلاء إيمان لا يهون.

 

إنها بعض من القيم المحمدية علينا أن نعيشها، ونأخذ أنفسنا بها، في المنشط والمكره، والسرّاء، والضراء.