انشغلت الأوساط الاقتصادية في الفترة الأخيرة بأزمة الدواء في مصر بعدما طالبت شركات الأدوية الخاصة برفع أسعار الدواء، وقد برر أصحاب هذه الشركات هذا المطلب بأمرين:
الأول: هو تحرير أسعار صرف العملات الأجنبية، مما رفع من سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري خلال الآونة الأخيرة، والذي أدي إلى زيادة قيمة فاتورة الواردات من المواد الخام والسلع الوسيطية، وبالتالي زيادة تكلفة إنتاج جميع أصناف الدواء بنسبة 20% و25%؛ وذلك نظرًا لاستيراد الشركات غالبية مستلزمات الإنتاج والخامات الدوائية، حيث تصل نسبة الاستيراد ما بين 80% و85% من حجم الخامات المستخدمة في الإنتاج المحلي للأدوية.

أما الأمر الثاني: فهو القرار الوزاري الذي يثبت أسعار الدواء في مصر، ويحدد هامش الربح بنسبة 15% بالنسبة للأصناف الحيوية والضرورية و25% للأدوية والأصناف التكميلية، بل إن هذه النسب ذاتها شهدت تغيرًا كبيرًا مع تزايد التكلفة وتحرير سعر الصرف، وهو ما أدى إلى وجود خسائر مُنيت بها شركات الأدوية كما يؤثر سلبًا على الاستثمارات الوافدة لمصر في قطاع الأدوية، خاصةً وأن الإحصاءات قد كشفت عن توقف الاستثمارات الجديدة في مجال الدواء خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

هذا ويصل عدد المشروعات الاستثمارية في قطاع الأدوية بمصر إلى 62 مصنعًا لإنتاج الدواء، منها 7 مصانع قطاع عام و 7 مصانع فروع من شركات أجنبية، والباقي للقطاع الخاص الاستثماري وحصة مصانع القطاع العام من السوق تصل إلى 17% ، 29% لإنتاج الشركات الأجنبية الـ7 ، و53% لإنتاج مشروعات القطاع الخاص المصري.

ويبلغ حجم استثمارات الشركات الأجنبية الـ7 في هذا القطاع وهي (فايزر) الأمريكية و(إفينتس) الألمانية و(نوفارتس) السويسرية و(برستول كايرز سكويب) الأمريكية و(جلاكسويلكم) و(سيرفيه) الفرنسية نحو 3 مليارات جنيه، في حين إجمالي الاستثمارات في قطاع الأدوية بمصر18 مليار جنيه منها نحو 1.5 مليار جنيه للقطاع العام والباقي للقطاع الخاص.

وقد أوضح الدكتور "ثروت باسيلي" رئيس شعبة صناعة الأدوية باتحاد الصناعة في هذا الصدد, أن هذه الاستثمارات في قطاع الأدوية شبه ثابتة، ولم تشهد تطورًا أو زيادة ملموسة منذ 3 سنوات في حين أن متوسط معدل النمو السنوي يصل إلى 9.8% في إنتاج الأدوية لسد احتياجات السوق التي تشهد نموًا بسبب زيادة حجم السوق المحلية لزيادة عدد السكان.

وأكد "باسيلي" أن تدفق الاستثمارات الجديدة في قطاع الأدوية شهد تراجعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة إلا أنه توقف منذ 3 سنوات بعد انخفاض الربحية في هذا القطاع، وقد أضاف أن الدليل الأساسي على صحة ذلك هو عدم تقدم أي من الشركات العالمية الكبرى أو دوائر الاستثمار لضخ أموال لإقامة مشروعات استثمارية في قطاع الدواء بمصر، كما أن بعض المستثمرين المصريين حصلوا على تراخيص إقامة مشروعات في هذا المجال لكنهم لم يبدأوا العمل بسبب الظروف التي يمر بها هذا القطاع، وتراجع معدل الربحية خلال السنوات الأخيرة بأسعار الدواء منذ عام 1991م.

وأكد أن هناك عددًا من الشركات العالمية المعروفة في الاستثمار العالمي في صناعة الأدوية بدأت تخرج من السوق مثل يانس وليلي وغيرها من الشركات الأخرى.
كما أكد أنه لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للاستثمارات الخاصة المحلية في قطاع الدواء، حيث إن معظمها إن لم يكن كلها يُعاني حاليًا بشدة من الظروف الجديدة، وتغير تكاليف وظروف الإنتاج مع استمرار تسعير الدواء، وقد دفع هذا الأمر بعض هذه المشروعات إلى تخفيض عدد العمالة لديها الي 50% أحيانًا لتخفيض تكليف الإنتاج.

إلا أن هذه الضغوط التي يمارسها أصحاب مصانع الدواء الخاصة بمطالبتهم بزيادة أسعار الدواء لمواجهة الدولار ما هو إلا دليل على الرغبة في تحقيق مزيد من المكاسب المادية على حساب نظام التسعير الذي يُراعي البعد الاجتماعي والذي يأخذ في اعتباره محددوي الدخل، خصوصًا في ظل ضعف نظام التأمين الصحي وعدم قدرته على توفير الخدمات الأساسية للعلاج وعدم قدرة المستهلكين على تحمل مزيد من الأعباء في الوقت الحالي مقارنةً مع مستوى دخولهم.
وليست هذه الضغوط هي الأولى، فمنذ شهور نظمت هذه الشركات اجتماعًا لغرفة صناعة الدواء، واستغلت فيه حالة الضعف والأزمة في الصناعة المصرية، وهددوا بالامتناع عن الإنتاج أو اللجوء للقضاء إن لم يتم رفع أسعار الدواء أو إلغاء التسعيرية لولا تصدي نقابة الصيادلة والشركات الوطنية لهم.

ومن ناحية أخرى تعد هذه المطالب مبالغ فيها إلى حد كبير حيث إن القرارات الخاصة بالتسعير أو تحرير سعر الصرف لم تكن ذات تأثير خطير على أرباح شركات الأدوية، وإن أدت إلى خفض أرباح بعض الشركات إلا أنها لم تؤد إلى خسائر والدليل على ذلك أن شركات الدواء الوطنية والتي تقل أسعار منتجاتها أضعافًا من أسعار منتجات الشركات الخاصة، حيث تم تسعيرها خلال الستينيات والستعينيات، بينما شركات الأدوية الخاصة تم تسعيرها بصفة أساسية في التسعينيات وبأسعار أعلى لم تُعلن عن خسائر وإن كانت قد أُصيبت بأضرار نتيجة ارتفاع في سعر الدولار.

ومن ناحية أخرى فإن شركات الأدوية قد اتبعت خلال الفترة الماضية من الوسائل لتحقيق ربح أكبرفي ظل التسعير وفي ظل تحرير سعر الصرف، فقد بدأت في استغلال فساد البيروقرطية المصرية، واستطاعت عبر وسائل عديدة أن تحصل على امتيازات سواء في تسجيل منتجاتها أو تسعيرها، وأغرقت السوق بأسعار مرتفعة، وخلال هذه الفترة نجح البعض في اختراع وسائل جديدة لبلبلة السوق المحلي الدوائي، ومن أهمها القضاء على الصناعة الدوائية الحكومية والتي كانت قد حققت نجاحًا كبيرًا، وخلفت حالة من التوازن السعري في سوق الدواء المحلي فكان أسلوب البوانص هو المدخل لقلب دفة الموازين في السوق الدوائي.

والبوانص هو أسلوب لإغراء مُوزعي الأدوية على التعامل مع الأدوية باهظة الثمن، وحجب الأدوية ذات الأسعار الزهيدة بصرف النظر عن فأعلىة هذه الأدوية ومصلحة المريض.
ووجد المستثمرون في الأسعار المرتفعة لمنتجاتهم والتي حصلوا عليها من لجنة التسجيل في وزارة الصحة فرصةً كبيرةً لتقديم حوافز للموزعين لتوزيع منتجاتهم، وهذه الفرصة لم تتوافر للشركات الوطنية؛ نظرًا لحصولها على أقل هامش ربح ممكن باعتبارها تتعامل مع سلطة استراتيجية يجب توفيرها للسواد الأعظم من المواطنين.

وانتشر نظام البوانص في سوق الدواء وهو إعطاء نسبة مجانية من الأدوية تزداد كلما زاد التوزيع، ووصلت هذه النسبة إلى حوالي 50% لدى بعض الشركات، وهو ما يُشير إلى حجم الربحية التي تحققها هذه الشركات، والذي لا يمكن أن يتاثر بارتفاع سعر الدولار حتى ولو خمسة أضعاف سعره وقت التسجيل.

وقد تسبب نظام البوانص في خلق سوق احتكارية للدواء، وذلك بظهور طبقة جديدة من تجار الدواء تشتري كميات كبيرة من الأدوية المنتجة من الشركات الاستثمارية، وتحصل على نسب خصم عالية تمكنها من بيعها للمؤسسات والشركات والمشروعات الصحية، وهو ما أدَّى إلى أضرار خطيرة للشركات الوطنية، والتي لم تستطع المنافسة في ظل هذه النظام مما أدَّى إلى التهديد بغلق هذه الشركات، ولا يبقى في السوق إلا مُنتجات الشركات الاستثمارية عالية السعر.

ولم يكن احتكار الأسواق وزيادة الأسعار هما الوسيلتان الوحيدتان لهذه الشركات لتحقيق أعلى هامش ربح بل تعدت ذلك إلى وسائل أخرى، حيث أسرع البعض منهم إلى إنشاء شركات وتسجيل أكبر عدد من الأدوية بها، وبأعلى الأسعار ليرفع سعرها لدى المستثمرين الأجانب،وبيعها لهم بأعلى الأسعار، وليصبح لهذه الشركات حق إنتاج هذه الأدوية أو حجبها أو هو ما يعيطها قوةً احتكاريةً للسوق المصري، وتضاف إليها الامتيازات التي سيحصلون عليها بعد تطبيق حماية الملكية الفكرية بعد سنوات قليلة مع تنفيذ اتفاقية التجارة العالمية 2005م.
والغريب أن هؤلاء الذين فتحوا الأبواب الخلفية للغزو الأجنبي لصناعة الدواء المصري هم الذين يقودون حملات الضغط لرفع أسعار الدواء بحجة حماية الصناعة الوطنية.

ومن الوسائل أيضًا التي ابتدعتها هذه الشركات هي تسجيل مكملات غذائية على أنها أدوية للحصول على إعفاءات من رسوم تفرض على المكملات الغذائية والمفاجاة أن هناك عددًا من مصانع الأدوية الناجحة في عملها تم بيعها لارتفاع سعر الدولار، ولكن هؤلاء الذين باعوا مصانعهم لم يهجروا مهنة التجارة في الدواء بسبب الخسارة كما زعمو، ولكن أنشأوا مصانع أخرى للأدوية، كل ذلك يثبت بما لا يدع  مجالاً للشك أن أصحاب شركات الأدوية يبحثون عن مزيد من المكاسب لو كانوا يخسرون حقًا لهجروا الأدوية واتجهوا إلى مجال آخر.

والأدهى من ذلك أن الشركات الأجنية تقوم بشراء هذه المصانع، وتقوم بتسديد القيمة عن طريق قرض من بنك وطني، لذا فإن الشركة الأجنبية تكون قد اقترضنت بالجنيه، ودفعت لصاحب المصنع ولم يدخل من وراء هذه الصفقة دولار واحد لمصر بجانب أن صاحب المصنع قربناه أيضًا بقرض؛ لذلك فالعملية الاستثمارية داخلية 100%.

ويرى بعض خبراء الصناعة الدوائية أننا يجب ألا نغفل تأثير ارتفاع سعر الدولار على صناعة الدواء مثل تأثيرها على جميع الصناعات، ولكنهم يؤكدون على رفضهم استخدام هذا المتغير كحجة لخلق احتكار جديد، ولهذا فهم يرون إخضاع جميع الأسعار للدراسة، خاصةً وأن الشركات الوطنية والتي لازالت تبيع الدواء بأسعار لم تتغير منذ سنوات وتقل عن أسعار الشركات الخاصة لم تعلن عن تعرضها للخسارة.