أجمع الخبراء والمحللون على أن نظام الانتخاب المصري يحتاج إلى تغيير، بعد السلبيات العديدة التي أفصحت عنها التجارب والنظم الانتخابية المصرية، خاصةً وأن نظام الانتخاب يعد أهم القنوات التي تربط المواطن من أي بلد بالنظام السياسي، من أجل ذلك ثار جدل واسع حول اختيار أفضل النظم الانتخابية لتبنيه، بما يضمن قدرًا أكبر من مشاركة المواطنين ويجنب في الوقت ذاته مخاطر عدم الدستورية، وصدور أحكام ببطلان عضوية أعضاء المجلس التشريعي، وفيما يلي عرض وصفي لأهم ما تم تناوله في هذا الصدد:


إصلاح النظام الانتخابي:
يحتاج النظام الانتخابي في مصر كما يؤكد الدكتور "أحمد ثابت" إلى تغيير هيكلي كي يتماشى مع التطورات العديدة التي تمر بها البلاد، وحتى يمكن استرداد ثقة المواطن في العملية السياسية، بعد السلبيات العديدة التي أفصحت عنها النظم الانتخابية والعملية الانتخابية ككل منذ الأخذ بالتعدد الحزبي والمواجهة عام 1976م.

ويرى أن الانتخاب على أساس التنافس بين برامج وأفكار، يعد أفضل من الاختيار بين أفراد لمجرد عصبيتهم العائلية ونفوذهم المالي والإداري، كذلك فإن شعور الناس بضرورة الاستفادة من التحولات الديمقراطية الحادثة في غالبية دول العالم، والتي أدَّت إلى تعزيز دور البرلمان في صنع القرار والرقابة والمحاسبة يجب أن تتحقق.

كما أن هناك قضايا على مستوى عال من الأهمية والخطورة، تتعلق بإدارة الإشراف على العملية الانتخابية ككل وإعداد جداول الناخبين وتنقيتها سنويًا من خلال حذف التكرار الشائع في أسماء أفراد وعائلات معينة، أو إدراج أسماء لأشخاص غير موجودين، وإضافة من يبلغون السن القانونية إلى قوائم الناخبين، وكذلك تقسيم الدوائر.

ولكي يتم تحقيق ذلك لابد من اختيار لجنة مستقلة وطنية ومركزية تشرف على مختلف مراحل العملية الانتخابية، من ممثلين عن مختلف الجهات المعنية بالعملية الانتخابية وهي وزارة الداخلية وأجهزة الحكم المحلي والهيئة القضائية، بالإضافة إلى ممثلين عن وزارة المالية والأحزاب والتيارات السياسية المختلفة، وهيئات ومنظمات المجتمع المدني وخبراء في الدستور والقانون.

وتملك هذه اللجنة وحدها سلطة الفصل في الطعون واستبعاد من يثبت استخدامه لسلاح المال في شراء الأصوات بطرق غير شرعية، أو من يستخدم أساليب العنف أو التزوير.

وحتى نضمن جدارة نظام انتخاب بالقوائم لابد من تعديل قانون الانتخاب بحيث يتضمن ما يلي:
أولاً: أن يكفل نظام القوائم حق الأحزاب أو أي كتلة من المستقلين في تشكيل القوائم الانتخابية على مستوى الدوائر، وجواز أن تقدم الأحزاب أو الكتل المستقلة قوائم مشتركة فيما بينها.
ثانيًا: أن يشترط لفوز القائمة الانتخابية بمقاعد برلمانية الحصول على نسبة 2% فقط من مجموع الأصوات الصحيحة على مستوى الدائرة الواحدة، وليس على مستوى الجمهورية.
ثالثًا: أن يتم توزيع المقاعد على أساس القاسم الانتخابي، أي عدد الأصوات اللازمة للفوز بمقعد واحد، ثم توزع المقاعد الباقية على قاعدة أكبر البواقي.

ويرى "أحمد عبدالحفيظ" (الأهرام) أن نظام الانتخاب من خلال القوائم ينطوي على مزايا عديدة يحتاجها الواقع السياسي المصري، غير أن إدخال هذا النظام يستدعي الوقوف والتروي لبحث ما يثيره من مشكلات بعضها دستوري، وبعضها عملي، ومن ثم يدعو إلى استمرار النظام الفردي بعد تعديله كي يكون مطعمًا بقوائم حزبية يخصص لها عدد محدد من المقاعد.


المشكلات الدستورية لنظام القائمة:
لقد سبق أن عرض نظام القائمة منفردًا ونظام القائمة المختلط مع النظام الفردي على قضائنا الدستوري فقضى بعدم دستوريته في الحالتين، وقد كان الحكمان الدستوريان موضع انتقاد شديد؛ لأن المحكمة الدستورية العليا عالجت الموقف من ناحية حق الانتخاب فقط، وهو ما يوري بأن العيوب الدستورية التي شابت النظامين كانت مجرد عيوب فنية تخص بعض التفصيلات القانونية التي يمكن معالجتها.

ويرى المنتقدون أنه كان على المحكمة أن تتصدى مباشرة لمدى دستورية النظام نفسه في ظل حكم المادة (94) تحديدًا من الدستور، التي تطبق على مجلس الشعب والشورى.


المشكلات العملية لنظام القائمة:
ولا يخلو نظام الجمع بين القائمة والفردي من مشكلات كثيرة تتمثل في استبعاد بعض التيارات من حقوق الترشيح أو الانتخاب، فضلاً عن المشكلة العملية المتمثلة في مستوى الوعي الانتخابي، بل والقدرة الانتخابية نفسها، في واقع مازال الناخب فيه أميًا ينتخب بالرمز، ثم نأتي نحن لتحميله مزيدًا من الأعباء عن طريق مطالبته بعملية انتخابية مركبة ومعقدة من المرجح أنه لا يقدر عليها.

ومن ثم فإن باستطاعتنا- مع استبقاء نظام الانتخاب الحالي- إضافة عدد من ثلاثين إلى خمسين مقعدًا بنظام القائمة الحزبية على مستوى الجمهورية، ويتم تخصيصها للأحزاب التي حصلت على أقل من 25 مقعدًا، على ألا يترتب على هذا التخصيص أن تتجاوز مقاعد أي حزب مقاعد الحزب السابق عليه في الانتخابات الفردية.

أما إذا أردنا إدخال نظام القائمة أو النظام المزدوج، فلابد من القبول بتعديلات يمكن أن تكون شديدة المحدودية في الدستور لا تتجاوز إلغاء نسبة العمال والفلاحين وإلغاء المادة 94 أو إعادة صياغتها من جديد، وذلك لضمان حسم الخلاف حول دستورية النظام الجديد المراد إعماله.


الإصلاح الديمقراطي والنظام الانتخابي:
ويرى "نبيل عبد الفتاح" (الأهرام24/12/2002م) أن اعتمادنا في إصلاح النظام الانتخابي على الاستعارات السياسية والاستمداد القانوني من النظم القانونية الغربية، يبدو كاستراتيجية باتت تقليدية، وأخفقت في بعض مجالاتها، خاصةً وأنها تنطوي على خفة في الدراسة وضعف الصياغة الفنية، الأمر الذي يسر الطعن عليها بعدم الدستورية.

تى يتم تطوير النظام الانتخابي لابد من حث القوى الشعبية "السياسية المختلفة على المشاركة، ولن يحدث ذلك إلا من خلال تطوير ديمقراطي واسع النطاق، يأخذ بالقيم والقواعد والآليات الليبرالية، لا التسلطية التي نشأت عليها الأحزاب، وصيغت في شأنها القوانين الانتخابية المتعددة.
ومن ثم فإن محاولة الفصل بين النظامين السياسي والانتخابي تبدو عقيمة، إذ لا يمكن إجراء انتخابات حرة تعكس الخريطة السياسية والاجتماعية المصرية بأبعادها داخل مؤسسات التمثيل السياسي، دون معالجة ديمقراطية، وضمان حرية تشكيل الأحزاب السياسية، وحرية الصحافة، وحرية العقيدة، وذلك في إطار من الشفافية وإعادة الهيبة والسطوة، واحترام دولة القانون وسيادته على الجميع أيًّا كانت مكانتهم، والتصدي للفساد والرشوة والمحسوبية، وشراء الذمم والأصوات من قبل رجال الأعمال، وذلك قبل الاختيار بين نظام التمثيل النسبي وأنواع القوائم المشروطة وحدودها أو الانتخاب الفردي أو المختلط.

ويضيف "أن هناك اختلالات لابد من معالجتها في إطار مشروع للإصلاح السياسي الشامل، تتمثل في الخوف من الديمقراطية والشفافية من بعض الأجنحة داخل الصفوة الحاكمة، لأسباب تتعلق بعدم النزاهة وضعف الكفاءة، وانصراف الأجيال الجديدة من المصريين عن المجال السياسي المحاصر بالقيود إلى مجال الإنترنت، والأخطر هو ضعف قدرة الصفوة على التأثير في القوى الشابة وتجنيدها في الأحزاب، أودعوتها للمشاركة السياسية، بالإضافة إلى سلطة رأس المال وتأثيرها على الأحزاب وعلى الإعلام، وأخيرًا: العلاقة بين الإدارة الأمنية والإدارة الانتخابية، وموقف الأجهزة البيروقراطية من حيث الحيدة والنزاهة في أثناء العملية الانتخابية.

ومن ناحية ثانية هناك معضلات يجب أن تكون تحت نظر المشرع "الحكومي" في أثناء وضع القانون تتعلق بـ"ضعف التمثيل السياسي للمرأة المصرية" و"عزوف الأقباط عن المشاركة السياسية وضعف تمثيلهم في الأحزاب والبرلمان".

وحتى يتم التعامل مع تلك المعضلتين لابد من اتباع إحدى استراتيجيتين:
الأولى: استراتيجية الحصص والتمثيل النوعي والطائفي.
والثانية: تتمثل في توسيع عمدي للأطر الديمقراطية وترشيح قصدي للمرأة وللأقباط مع دعم مؤثر لإنجاحهما في ظل تصور مدروس يراعى الواقعية والمصلحة.


الإصلاح وبرنامج التطوير الديمقراطي:
ويستكمل الدكتور "وحيد عبدالمجيد" (الأهرام 30/12/2002م) الحديث عن عملية الإصلاح، مؤكدًا على أهمية النظام الانتخابي بالنسبة إلى التطور الديمقراطي، ولكنه يتساءل عن مدى ارتباط إصلاح النظام الانتخابي بالتطور الديمقراطي، وهل يأتي موازيًا له أم منفصلاً عنه.
ويُشير إلى أن إصلاح النظام الانتخابي أولاً لا يدعم فرص التطور الديمقراطي حتى إذا كان إصلاحًا كاملاً ينطوي على توفير ضمانات لحرية ونزاهة الانتخابات، لأن الإصلاح الكامل لهذا النظام ربما خلق وضعًا معاكسًا لمتطلبات ومقتضيات التطور الديمقراطي.

ويضيف أن هذا النوع من الإصلاح الذي يبدأ لنظام الانتخاب يوجد مخاطر جسيمة؛ لأنه يقوم على افتراض ضمني مؤداه أنه من الممكن إيجاد ديمقراطية بدون ديمقراطيين، وهذا افتراض خاطئ، لأن غياب الثقافة الديمقراطية أو ضعفها يتيح الفرصة لقوى غير ديمقراطية كي تفوز في الانتخابات.

ومن ثم يجب أن يأتي إصلاح نظام الانتخاب تاليًا للإصلاحات التي تتيح تحرير المواطن الفرد من خوفه وسلبيته وإطلاق حوار عام حر يجذب فئات مختلفة من المجتمع للمشاركة فيه تدريجيًا ويؤدي إلى انتشار الثقافة الديمقراطية وتنامي الوعي السياسي.

ويقتضي إطلاق هذا الحوار استكمال حرية الرأي والفكر والتعبير وإتاحة حرية تكوين الأحزاب والجمعيات وتوفير فرص وقنوات المشاركة للجميع، وهذه العملية تحتاج إلى عدة سنوات وتقود لإصلاح دستوري، وفي ثانيها نبدأ في إصلاح نظام الانتخاب بشكل تدريجي بدءًا بالانتخابات المحلية، ثم بعد عام أو عامين انتخابات مجلس الشورى، وأخيرًا تأتي الانتخابات الحرة لمجلس الشعب في نهاية هذه العملية.


شروط الإصلاح:
ويعرض الدكتور "محمد سعد أبوعامود" لشروط إصلاح النظام الانتخابي قائلاً: "إن النظام الانتخابي ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق أحداث سياسية هامة، فضلاً عن أنه يختلف من مجتمع لآخر، ومن ثم فعندما نتحدث عن النظام الانتخابي المصري لابد وأن نأخذ في الاعتبار ما يلي:
أن يكون الإصلاح شاملاً لكل عناصر النظام الانتخابي، فلا يقتصر على جانب دون آخر، وأن يأخذ في الاعتبار المتغيرات الجديدة في المجتمع على المستوى الكمي والكيفي، وبالتالي فعندما نحاول إصلاح، وتطوير النظام الانتخابي، لابد أن نستند إلى مجموعة من المعايير العملية الخاصة بالنظام الانتخابي الكفء والفعال، والتي توصل إليها علماء السياسة، ثم نقوم بتقييم النظام الحالي وفقًا لهذه المعايير وتحديد رؤيتنا للنظام الجديد المطلوب الوصول إليه.
وتتضمن معايير كفاءة وفعالية النظم الانتخابية، المعيار الكمي، ويتعلق بمدى قدرة النظام على تشكيل هيئة نيابية متوازنة من حيث التمثيل الكمي للمواطنين في مختلف أنحاء الدولة، والمعيار الكيفي، ويتضمن عدة مؤشرات أهمها أن يفرز تطبيق النظام الانتخابي هيئة نيابية تستوعب القوى السياسية الفاعلة في المجتمع بحيث تتاح لها فرصة التعبير عن مصالحها وأفكارها، وأن يؤدى تطبيق النظام إلى تمثيل جميع الاتجاهات السياسية بقدر الإمكان وفقًا لوزنها النسبي في واقع الحياة السياسية، وأخيرًا المعيار القانوني والدستوري، بمعنى أن يكون النظام الانتخابي متوافقًا توافقًا تامًا مع أحكام الدستور بما يمنع الطعن في دستوريته، كذلك لابد وأن يشتمل النظام على الضمانات القانونية اللازمة لسلامة إجراء العملية الانتخابية.


التدخل الإداري في الانتخابات:
أما الدكتور "عمرو هاشم ربيع" (الأهرام 6/1/2003م) فيرى أن أهم قضايا نزاهة الانتخابات هي قضية التدخل الإداري أن يسهم في تغيير عمدي لحال العملية الانتخابية بجميع تداعياتها، حيث يأتي بنفس النتائج التي تأتي بها عمليات تزوير وتزييف إرادة الناخبين.

ويرتبط التدخل الإداري في الانتخابات بأمرين:
الأول: يتصل بالإدارة ذاتها، ويرجع إلى قوتها الناتجة عن الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها، إضافةً إلى ضخامة عددها بسبب كبر حجم الهيكل الوظيفي فيها، وضعف الرقابة الإدارية عليها بسبب سطوتها وتشعبها وأحيانًا عدم تنظيمها.
أما الأمر الثاني: فيرتبط بضعف الرقابة الشعبية على الإدارة، وارتفاع نسبة الأمية بين المواطنين، مما يجعل الإدارة أكثر تغولاً وتنمرًا.
وتتعدد أطراف التدخل الإداري في الانتخابات، فبداية هناك الوزارة بحكم ترأسها للجهاز الإداري أو البيروقراطي بأسره، وكذلك المرشحون الذين ينتمون للحزب الحاكم، وأيضًا الدواوين أو الإدارات التي تعد أداة في يد الوزارة.
وترجع أسباب التدخل الإداري في الانتخابات إلى عدم وجود روح التسامح المفضية إلى القبول بفوز الآخر عبر عملية الاقتراع، وذلك رغبةً في استمرار مناخ الهيمنة، وإلى عدم الثقة من الفوز، والإدراك العام من قبل المتدخل بقوة وشعبية الطرف المقابل، والخشية من الإشراف النزيه على العملية الانتخابية، والإدراك الكامل لبطء إجراءات التقاضي بعد لجوء الطرف المقابل للطعن على نتيجة الانتخابات.

أما بالنسبة إلى نتائج التدخل الإداري، فتتمثل في وجود مجلس شعب غير ممثل تمثيلاً حقيقيًا للناخبين، الأمر الذي قد يؤدي إلى نمو تيارات غير ديمقراطية تقوم بأعمال عنف وتسعى إلى تبرير هذا العنف باعتباره ملجأً أخيرًا وبديلاً للإحباط الذي سببته التجربة الانتخابية.
ولتغيير ذلك لابد من إبعاد الإدارة بشكل كامل عن الإشراف على الانتخابات بدءًا من دورها في التنقيح الدوري للجداول الانتخابية، مرورًا بتلقي طلبات الترشيح والدعاية والحملة الانتخابية، وكل ذلك من شأنه أن يحول دون التدخل الإداري في العملية الانتخابية.


القطاع الأهلي وتنمية الوعي الانتخابي:
ويناقش "حسن محمد سلامة" (في الأهرام 6/1/2003م) الدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الأهلي في تنمية الوعي الانتخابي لدى المواطن، كخطوة رئيسية نحو بناء المواطن الديمقراطي الذي يعد حجر الزاوية في نجاح وفعالية أي نظام انتخابي.

ويطرح "سلامة" آليتين رئيسيتين للدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الأهلي في هذا الإطار، وهما: الآلية المباشرة التي ينخرط بمقتضاها الفرد في منظمات ذات هياكل وآخر مستقرة تسمح بتطوير نمط من الثقافة السياسية المشاركة والتي تتضمن قبول الآخر والتسامح والتعايش مع سلطة الدولة ونحوها، والتي تسهم في الحث على المشاركة في الانتخابات كإحدى آليات التعبير عن وجود المواطن على ساحة المجتمع والدولة معًا.

أما الآلية غير المباشرة فتتمثل في مشروعات التنمية التي تستهدف تعزيز جهود العمل التطوعي على المستوى المحلي، وتعبئة الموارد بما يشعر الأفراد بمشاركة فعالة في تسيير أمور حياتهم جنبًا إلى جنب مع الدولة، ومن ثم يصبح إقبال الأفراد على المشاركة في الانتخابات العامة مظهرًا مكملاً لاهتمام الأفراد بالشأن العام.

ويرتبط دور الجمعيات الأهلية في عملية التنشئة السياسية ورفع درجة الوعي الانتخابي للمواطن بعاملين هما: علاقة تلك الجمعيات بالدولة، أو ما يمكن أن تطلق عليه البيئة السياسية المحيطة بعمل الجمعيات التي تمثل الإطار الملائم لعملها، أخذًا في الاعتبار أن تلك الجمعيات تتحرك وفق الإطار القانوني الذي تضعه الدولة.

أما العامل الثاني فيتمثل في القدرة الذاتية لتلك الجمعيات ومدى ارتباطها بمؤسسات أخرى يمكن أن تسهم في تدريب المواطن على فهم حقوقه، وذلك بالتنسيق مع مناهج المدارس والجامعات، وهكذا تصبح تلك الجمعيات معنية بالعمل العام غير الحزبي طالما أنها تسهم في إدارة المجتمع ككل في شتى مناحي الحياة.


الشرط الاقتصادي للإصلاح:
ويركز الدكتور "عمار علي حسن" في (الأهرام 13/1/2003م) على العلاقة بين الظروف الاقتصادية وطبيعة النظام الاقتصادي، من حيث كونه اقتصادًا موجهًا أو حرًا، بالعملية الانتخابية، ويرى أن أحد أهم القضايا الحاكمة في البعد الاقتصادي للانتخابات هي قضية تكافؤ الفرص بين المرشحين.
وتعد قضية تكافؤ الفرص الاقتصادية في مقدمة الشروط اللازمة لإصلاح أي نظام انتخابي، حيث إنه في المجتمعات التي تكون فيها مصادر القوة، وفي مقدمتها القوة الاقتصادية مركزة في يد حفنة قليلة من البشر تكون السلطة السياسية هي الأخرى بحوزة هذه الحفنة، والعكس ومن ثم فإن احتكار أي من القوى السياسية للإمكانات المادية، فإن الحديث عن إصلاح النظام الانتخابي دون إنهاء هذه الصيغة الاحتكارية يكون من قبيل العبث.

كما أنه من أجل انتخابات حرة ونزيهة لابد من فك الارتباط بين الخزينة المالية للدولة والانتخابات بدءًا من الترشيح وانتهاء بالتصويت مرورًا بالحملة الانتخابية التي هي أكثر مرحلة يتم فيها استخدام سلطة المال على نطاق واسع.

من أجل ضمان سلامة العملية الانتخابية لابد من توافر مجموعة من الشروط، وأول هذه الشروط هو سن قانون انتخابي ملائم، وفصل الحكومة عن الأحزاب السياسية، وإنهاء أي وضع غير عادل في التنافس غير الحزبي ينجم عن انحياز القيادة السياسية في بلد ما لحزب معين، وأن يكون لأحزاب المعارضة الحق في استخدام الوسائط الإعلامية للدولة، بحيث لا يكون هناك تفرقة بينها في ساعات البث وأوقاته، وأخيرًا وجود مناخ سياسي عام يسمح بحرية التعبير وحرية عقد الاجتماعات واللقاءات الانتخابية، أي إزالة العراقيل التي تحول دون قيام الاتصال المباشر بين المرشح وأهل دائرته الانتخابية.

ويعود الدكتور "أيمن نور" للحديث مرة ثانية (الأهرام 13/1/2003م) عن النظام الألماني، وإلى أي حد يمكن تطبيقه في مصر في ضوء الحديث عن تغيير النظام الانتخابي.

ويحذر "نور" من استمرار عملي التجريب التشريعي خارج إطار الدروس الدستورية التي قدمتها وكرستها أحكام قاطعة وواضحة الدلالة من المحكمة الدستورية العليا مما يصبح معه العزف على الأوتار نشازًا غير مبرر.

ويضيف بأن الادعاء بأن المخرج من أزمة عدم الدستورية هو إصدار قانون انتخابي بالقائمة أو مختلط، ثم يتم عرضه على الاستفتاء الشعبي ليتحصن دستوريًا هو محض ادعاء باطل.

ويشكك في دستورية تطبيق النظام الألماني من ستة جوانب، حيث يعد مخالفًا لنصوص المواد 8، 40، 62 من الدستور التمييز بين المرشحين بحسب انتماءاتهم السياسية، إذ يتنافس وفق النظام المختلط على نصف المقاعد المستقلون مع غيرهم من أعضاء الأحزاب، بينما يحظر على المستقلين المنافسة على نصف المقاعد المستقلون مع غيرهم من أعضاء الأحزاب، بينما يحظر على المستقلين المنافسة على النصف الآخر من المقاعد المخصصة للقوائم إلى الأحزاب السياسية، أو لتقييد وحصر مباشرة الحقوق السياسية عليها، وإذا ما أخذنا بالنسبة الواردة في النظام الألماني لتمثيل الأحزاب وهي حصولها على 5% من إجمالي الأصوات على مستوى الجمهورية "متخذة النسبة لا يمكن أن يمثل معها غير الحزب الوطني.

هذه بعض المشكلات الدستورية والواقعية التي تواجه ما يعرف بالنظام الألماني، والتي تجعل الأمل في اعتباره نظامًا دستوريًا أملاً ضعيفًا.


الديمقراطية وقوانين الانتخابات:
ومن جانبه يناقش "حسين عبدالرازق في الأهرام (30/1/2003م) قضية المفاضلة بين تضامن الانتخاب الفردي ونظام القوائم الانتخابية، وينتهي إلى أنه على الرغم من الإيجابيات العديدة التي تميز نظام القوائم، إلا أن الممارسة العملية أفرزت هذا النظام من مضمونه، وذلك من خلال الشروط والقيود العديدة التي تضمنها القانون سواء فيما يتعلق بقصر تشكيل القوائم على الأحزاب السياسية، أو السماح بعدد محدود جدًا من المقاعد الفردية.

ويؤكد على أن مصر تعيش نظام الحزب الواحد في قالب تعددي، خاصةً وأن قانون الأحزاب الذي سمح بقيام 17 حزبًا، يفرض قيودًا بالغة التشدد على الأحزاب القائمة، ويقيم سورًا بينها وبين المواطنين، ويحصر نشاطها داخل مقارها وصحفها.

كما أن هناك 14 قانونًا على الأقل تحتوي مواد تفرض قيودًا على الحريات العامة، فضلاً عن أن مصر تعيش في ظل حالة الطوارئ منذ 6 أكتوبر 1981م، وهناك وقائي أخرى عديدة تنتقص من العملية الديمقراطية، وتفرض ظلالها على العملية الانتخابية بصورة دائمة.

ويقترح العود إلى نظام القوائم مع إدخال بعض التعديلات والتي تضمن تفعيل هذا النظام وتعظيم إيجابياته، وذلك عن طريق تطبيق صحيح لنظام القائمة النسبية وبما يتفق مع الدستور المصري، بإطلاق حرية تكوين القوائم، بين قوائم حزبية خالصة، أو قوائم مشتركة من أكثر من حزب، أو قوائم من المستقلين، أو من حزب وعدد من المستقلين بما يضمن المساواة التامة بين المواطنين في ممارسة حق الترشيح والانتخابات لمجلس الشعب.

وأن تشكل لجنة قضائية من عدد من مستشاري محكمة النقض، تختص بالهيمنة والإدارة والرقابة على إعداد جداول الانتخابات، وسير جميع أعمال الانتخابات والاستفتاءات العامة وفي نفس الوقت، تلغي جداول القيد الحالية التي نخلو من أسماء ملايين يحق لهم التصويت وتزدحم بأسماء الموتى والمسافرين، وتنشأ جداول جديدة مطابقة للسجل المدني.

القاسم المشترك الانتخابي:
ويقترح الدكتور "إيهاب سلام" أن يكون الانتخاب بالقاسم المشترك الانتخابي، وهو حصيلة قسمة مجموع عدد الأصوات الصحيحة على النواب المطلوبين من الدائرة الانتخابية، فإذا كانت الدائرة بها مائة ألف صوت، وأدلى بالأصوات الصحيحة 50 ألف صوت يفوز بعضوية مجلس الشعب عن هذه الدائرة، وإذا توزعت الأصوات بين المرشحين فتُجرى الانتخابات بين المرشحين الفرديين من النصاب المذكور، فإذا كانوا أربعة لا يزالون، فتُجرى الانتخابات بين الثمانية الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات، فإذا كانوا ثلاثة تُجرى الانتخابات بين المرشحين الستة الذين حصلوا على أكبر عدد من الأصوات.

ومن أجل الأخذ بهذا الاقتراح، وحتى يكون متفقًا مع الدستور يجب أن تكون هناك قائمة للعمال والفلاحين، وأخرى للفئات، ويختار الناخب من كل قائمة واحدًا، وفي جميع الأحوال لن تقل نسبة العمال والفلاحين عن 50% طبقًا للدستور.


إصلاح الدوائر في النظام الفردي:
وعلى عكس الآراء المحبذة لنظام القائمة بعد إدخال بعض التعديلات عليه، يناقش "طه محمد عبدالمطلب" إصلاح الدوائر الانتخابية كمدخل لإصلاح النظام الانتخابي الفردي في مصر، وينطلق "طه" من افتراض أن النظام الفردي هو النظام الأنسب، ويستند في ذلك إلى عدد من المبررات أهمها:
أنه يؤدي إلى زيادة عدد الدوائر الانتخابية، الأمر الذي يدعم العلاقة المباشرة بين الناخب والمرشح بما يلائم طبيعة الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات النامية بشكل عام ومن بينها مصر.
وتظهر الخبرة التاريخية تفضيل النظام الفردي، وذلك لمدى العلاقة الارتباطية بين هيئات الناخبين والأعضاء الممثلين عنهم، حيث يعرف النائب من يمثله في البرلمان، وهو الأمر الذي يصعب تصوره في حالة القائمة الحزبية.

وتمثيل الدائرة في نظام القوائم بعدد كبير من النواب، بينما في حالة النظام الفردي نجد أن الدائرة الانتخابية تضم عضوين، وعلى ضوء ذلك فإن حجم الدائرة الانتخابية يختلف ضيقًا واتساعًا بحسب النظام الانتخابي المتبع، فتكون الدوائر صغيرة في الانتخاب الفردي، وبالتالي يكثر عدد الدوائر، بينما تكون الدوائر كبيرة في حالة الانتخاب بالقائمة، وبالتالي يقل عدد الدوائر الانتخابية.

ويخلص "طه" إلى أن إصلاح النظام الانتخابي من خلال الإبقاء على النظام الفردي، وتعديل حجم الدوائر الانتخابية القائمة بما يكفل التمثيل المتكافئ للسكان بعد ضرورة ملحة في ظل التغييرات الاجتماعية والسياسية والسكانية المصاحبة لحركة تكور المجتمع المصري (الأهرام 27/1).


المعايير الدولية للانتخابات الحرة:
ويعرض "فاروق عبدالحميد" عددًا من المعايير والضمانات الرئيسية التي جاءت في المواثيق الدولية والعالمية، اللازمة لضمان نزاهة وحرية أية انتخابات، ولعل أهم ما جاء في تلك المواثيق حول حق الانتخاب ما يلي:
أن لكل فرد مؤهل للانتخاب حق الترشيح والانتخاب دون تمييز، كما أن له حق المشاركة في الانتخابات والترشيح بشكل متكافئ، وفق الدساتير والقوانين الدولية، كما له الحق في التعبير عن آرائه السياسية وتلقي المعلومات ونقلها، وحرية التنقل إبان حملته الانتخابية والتي يجب أن يقوم بها بشكل متكافئ مع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة والحاكمة.

وعلى كل الدول اتخاذ إجراءات وفقًا لقوانينها لضمان إجراء حرة تتماشى مع التزاماتها في إطار القانون الدولة، ومن ذلك قيد المواطنين بشكل محايد في الجداول الانتخابية، وفقًا لمعايير واضحة ودون تمييز، كما يتعين على الدولة وضع آلية محايدة لإدارة الانتخابات، ومن ذلك تدريب المسئولين على إجرائها.

كذلك يجب على الدول اتخاذ إجراءات لضمان ابتعاد عملية التصويت عن مناخ التزوير والغش، بما في ذلك اختيار الوقت الملائم للتصويت، وإجرائه تحت إشراف أشخاص مراقبين وممثلين عن الأحزاب، وأخيرًا حسم جميع شكاوى الانتخابات بمعرفة هيئة مستقلة ومحايدة كلجنة انتخابية أو هيئة قضائية.
ننتقل بعد ذلك إلى تناول قضايا معقدة في الانتخابات البرلمانية، هي قضايا البلطجة والعصبيات، وشراء الأصوات، وأسباب شيوع ظاهرة العنف السياسي، والقبلي والعائلي في أثناء المعارك الانتخابية.


مكونات الثقافة الانتخابية:
من أبرز معالم نسق ثقافة الانتخابات- حسب ما يرى "نبيل عبدالفتاح"- شيوع بعض القيم والمدركات السلبية تتمثل في أن نتائجها معروفة سلفًا في الغالب، ويعود هذا إلى ارتباطه بعدد من العوامل المؤثرة منها: أن الانتخابات تُديرها مجموعة محترفة، تستخدم جميع أساليب الغواية والعنف والتشهير من أجل النجاح، وأن الترشيح يتطلب علاقة ما، ودعمًا مع جهاز الدولة السياسي والأمني، فضلاً عن أن الإنفاق المالي المكثف، يرمي صاحبه إلى التمتع بالحصانة البرلمانية، وذلك طلبًا لحماية أنشطته الاقتصادية والمالية، وأخيرًا ارتباط العمل بالسياسة والعمل الحزبي بالأذى والأضرار التي يمكن أن تلحق بالشخص وعائلته وذويه، وتعود ظاهرة كراهية السياسية إلى اللاتأسيس الذي وسم التسلطات السياسية المصرية في عهودها المختلفة، والمقارات الأمنية للجماعات السياسية والحزبية والإسلامية منذ نظام يوليو.
وتعود ظاهرة البلطجة إلى غياب تقاليد سياسية وانتخابية راسخة تحول دون استخدام أساليب التخوين لكسب الأصوات وارتباطها بظاهرة مقاولي الانتخابات وشراء الأصوات، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة.

وتهدف البلطجة الانتخابية إلى تخويف أنصار الخصم لعدم انتخابه، والتأثير على الأصوات الفردية أو الكتل التصويتية للتأثير على إراداتهم للامتناع عن التصويت، وحماية الدعاية الانتخابية للمرشح الذي يناصره البلطجية، وتشويه ونزع دعاية الخصوم (الأهرام 3/2).


المال ودوره في إفساد العملية الانتخابية:
وإلى جانب البلطجة في العملية الانتخابية يدخل المال بمفهومه الواسع أو المرن، حيث يقصد بالمال الانتخابي كل الأمور التي تحقق مزايا مادية، كان لا يمكن لأصحابها ألا يحققوها لولا الانتخابات، وفي هذا الصدد تدخل زيادة المرتبات والوجود بتشغيل العاطلين عن العمل والترقيات والتهديد بإلغاء الحوافز أو المكافآت.

ويوجه الحال الانتخابي عادة إلى المرشحين أي إلى الأفراد القائمين على إعداد القوائم الحزبية، ويرتبط هذا الأمر بعملية الفساد الهيكلي داخل العديد من البلدان النامية، كما توجه تلك الأموال إلى الحزب القائم بالترشيح، وفي هذا الإطار يدعم الأفراد والمنظمات والأحزاب السياسية وغيرها من القوى السياسية القائمة على الترشيح في البرلمان، وتوجه الأموال كذلك إلى الناخبين أنفسهم، وذلك كنوع من الرشوة المباشرة بشراء أصواتهم، وذلك بشكل فردي أو جماعي.

أما الجهة الأخيرة التي توجه إليها الأموال فهي المرشحين، أي الأشخاص المرشحين لعضوية البرلمان، وذلك بغرض تنازلهم عن الترشيح لصالح المرشح الموالي للطرف القائم بالمدعم المالي.
ويتوقف حجم المال الانتخابي المباشر، على المنطقة التي تجري فيها الانتخابات، من حيث كون تلك المنطقة حضرية أو ريفية، حيث يزداد في المناطق الحضرية بصورة ملحوظة عن المناطق الريفية التي تحكمها العصبيات.

من أجل ذلك كله يرى الدكتور "عمر هاشم" أن أي معالجة لإصلاح نظام انتخابي يجب أن تتطرق إلى تنظيم استخدام المال في الانتخابات العامة، وذلك عوضًا عن الاكتفاء ببحث أسلوب الانتخاب، من حيث كونه فرديًا أم قائمة نسبية أو خلافه.

وتتفق الدكتورة "نجوى إبراهيم محمود" مع الدكتور "عمرو" في أن لرأس المال تأثير قوي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع معدلات البطالة، وإذا كان النفوذ المالي والسياسي الذي يمتلكه عدد كبير من رجال الأعمال يلقى قبولاً رسميًّا وشعبيًّا، فإن المال في أحيان أخرى كثيرة قد يساند عناصر فاسدة من الفئات التي تستهدف نهب أموال المصريين، وتخريب الاقتصاد كتجار العملة، وشركات توظيف الأموال، ودوائر المال غير المنظمة، كل هؤلاء يحلمون بارتداء ثوب الحصانة.

لذلك تظهر أهمية اختيار نظام انتخابي سليم يلائم ظروف الحياة السياسية، ويؤدي إلى تمكين القوى السياسية من الوصول إلى مواقع السلطة بالقدر الذي يتناسب مع قوتها الحقيقية، وبالأسلوب التي يتسم بالنزاهة والشرف.

كما أصبح من الضروري توفير أكبر قدر ممكن من الحرية للقوى السياسية المختلفة للتعبير عن آرائها، وطرح برامجها وعقد المؤتمرات السياسية والإعلان عن نفسها في وسائل الإعلام في ظل مناخ من الحيدة الكاملة للجهاز الإداري للدولة، والجهاز الذي يقوم بإجراء الانتخابات ومراعاة مبدأ تكافؤ الفرص، وأخيرًا: لابد من اعتبار شراء الأصوات بالمال من ضمن الجرائم الانتخابية التي يُعاقب عليها القانون (الأهرام 17/2).


إشكالية العامل والفلاح:
ويعود الدكتور "أيمن نور" مرة ثانية إلى إشكالية العامل والفلاح، حيث يرى أن قانون العامل والفلاح، كان ينبغي أن يراجع منذ سنوات بعيدة ليلبي بشكل حقيقي مصالح العمال، ولا يقصر هذه الميزة الدستورية الحمائية على فئة من العمال دون غيرها.

ويرى أن من المنطقي أن يشمل تعريف العامل والفلاح في قانون مجلس الشعب كل من يعمل عملاً يدويًّا أو ذهنيًّا في الزراعة أو الصناعة والخدمات، أو يعتمد بصفة رئيسية على دخله من هذا العمل، ولا يكون صاحب عمل مستقل، وبذلك يدخل فئات واسعة من العمال تحت هذه المظلة أو الميزة الحمائية، ويصل إلى أن هذا الوضع الغريب في تعريف العامل والفلاح واشتراط ألا يكون حاصل على مؤهل عال، تكريس لأوضاع مقلوبة، ومفاهيم مغلوطة.


النظام الألماني والدستور المصري:
ويعود كذلك الدكتور "عمر الحمزاوي" ليؤكد عدم ملاءمة النظام الانتخابي الألماني مع الدستور المصري، الذي تتجه روحه إلى عدم تخصيص أية مقاعد محددة للقوائم أو للفردي إذا ما أخذ بأسلوب يجمع بين النظامين.

ويرى الدكتور "عمرو" أن النظام الألماني بطابعه المختلط، وبعنصريه الرئيسين شرط الـ5% والمقاعد الثلاثة، إنما يسعى بالأساس إلى استقرار النظام السياسي من خلال تركيز ممارسة السلطة في عدد محدود من الأحزاب القوية القادرة فيما بينها على الائتلاف وتبادل المراكز من مناصب الحكم إلى مقاعد المعارضة، ويترتب على ذلك الحد من فرص المجموعات الحزبية الصغيرة في الوجود على الساحة السياسية على نحو يهدد فاعلية النظام ككل.

وأخيرًا يُشير "الحمزاوي" إلى أن أهم ما يميز النظام الانتخابي الألماني هو ارتباط الممارسة الجيدة لهذا النظام بمجتمعات ديمقراطية راسخة تعرف مواطنوها بوضوح على الأوزان الفعلية للأحزاب المختلفة، وبلغوا درجة من الوعي تسمح لهم بالتعامل مع محددات عملية اقتراع مزدوجة الطابع بصورة عقلانية تحقق التوازن المنشود بين الاستقرار والتعددية.


الديمقراطية الزائفة:
ولإصلاح النظام الانتخابي يتطرق الدكتور "إيهاب سلام" إلى قضية الأغلبية في الانتخابات البرلمانية، ويرى ضرورة إعمال هذا المبدأ من خلال الأخذ بعدد الناخبين الفعلي في عملية التصويت، بدلاً من الأخذ بمعيار من أدلى بصوته، وفي هذا الصدد يطرح بعض الخطوات مثل:
أن تقسم الدوائر تقسيمًا عادلاً، بأن يكون عدد الناخبين في الدوائر متساويًا، وأن يفوز المرشح عن الدائرة بأغلبية عدد أصوات الناخبين في الدائرة بأغلبية عدد الأصوات الصحيحة، وفي حالة عدم إدلاء أغلبية الناخبين بأصواتهم تُعاد الانتخابات من جديد، ويؤكد "سلام" أن الديمقراطية الصحيحة، هي الديمقراطية التي تنتج من أصوات عدد كبير من الناخبين الحد الأدني لها هو إدلاء أغلبية الناخبين بأصواتهم، أما الديمقراطية التي يكتفي فيها بالأعداد التي أدلت بأصواتها فهي ديمقراطية زائفة غير صادقة؛ لأنها تدل على أن الشعب لم يمثل تمثيلاً صادقًا في المعركة الانتخابية (الأهرام 10/3).


فكرة الإصلاح ومجالاته:
ونختتم سبل الإصلاح برؤية الدكتور "صلاح سالم زرنوقة" الذي يرى أن تغيير النظام الانتخابي دليل على حيوية النظام السياسي واستجابته للواقع المتغير من حيث تصويب الأخطاء، والوصول إلى أفضل الصيغ؛ لأن البديل هو الجمود ومزيد من الركود السياسة.

ويؤكد "زرنوقة" على أنه رغم الحاجة الشديدة إلى الإصلاح الديمقراطي، إلا أن الإصلاح الانتخابي أوجب وأكثر ضرورة، وذلك لأن الإصلاحيين السياسي والديمقراطي يحتاجان إلى وقت طويل ونوع من التدرج والعديد من الآليات، ولا يمكن إنجازها في يوم وليلة، وإذا كان الأمر كذلك فليس من الصحيح أن نرفض الإصلاح الانتخابي أو نربطه بهذين الإصلاحيين.

وفيما يتعلق بمجال الإصلاح يرى "زرنوقة" أن هناك خلطًا واضحًا بين عناصر النظام الانتخابي أي بين القواعد والإجراءات والسياق العام، والقواعد هي مجموعة القوانين التي تمثل جوهر النظام الانتخابي، والإجراءات هي مجموعة القوانين واللوائح التي تنظم سير العملية الانتخابية، بدايةً من إعداد الجداول الانتخابية وحتى إتمام الفرز، أما السياق العام فيتمثل في مجموعة الخصائص والسمات والممارسات التي تُحيط بالعملية الانتخابية وترتبط بها وتؤثر فيها.

ويعتقد "زرنوقة" أن الخلط بين هذه العناصر يُعقِّد مسألة أو إمكان الوصول إلى النظام الانتخابي بالقواعد والإجراءات، هذا برغم أهمية السياق العام.

ويضيف أن هناك أربعة نظم انتخابية لا اثنين فقط، وأنه يمكن الخلط بينهما بطريقة مختلفة تمامًا، حيث يجب المفاضلة والتمييز بين مرحلتين في العملية الانتخابية، الأولى: هي مرحلة الترشيح والتصويت، وتتم إما بالنظام الفردي أو بنظام القائمة، والثانية هي مرحلة حساب الأصوات وتحديد الفائز، وتتم إما بالأغلبية (المطلقة أو النسبية)، وإما على أساس التمثيل النسبي ومن حيث الأسس والمعايير التي ينبني عليها الإصلاح الانتخابي توافر الجدل على ثلاثة معايير:
الأول: هو تقويم النظم الانتخابية نظريًا.
ثانيا: هو استيراد نظم طبقت في مجتمعات أخرى ولاقت حظًا من النجاح، وهذا ليس صحيحًا أيضًا.
والثالث: هو تقييم النظم التي عرفتها مصر والحكم عليها من خلال الخبرة الواقعية، وبرغم أن هذا المعيار هو الأفضل إلا أن عملية التقييم قد شابها العديد من الأخطاء أو يخلص "زرنوقة" من ذلك كله إلى أن المعيار الأساسي الذي يجب الأخذ به هو "الخصوصية المصرية"، وما يمكن أن يتلاءم معها، أو بعبارة أخرى، فإن النظام الانتخابي الأفضل بالنسبة لنا هو ذلك النظام الأنسب.
وينتهي "زرنوقة" إلى أن النظام الفردي أنسب في مرحلة الترشيح والتصويت بما فيها تقسيم الدوائر، وأن نظام التمثيل النسبي أفضل في مرحلة توزيع المقاعد وتحديد الفائز.