بينما قام الكيان الصهيوني باغتيال شهيدين من كتائب "القسام" في قطاع غزة بعد ساعات من إعلانه تجديد سياسة الاغتيالات بضوء أخضر أمريكي- وهو ما اعتبرته حركة (فتح) عائقًا أمام جهود السلطة؛ من أجل تهدئة الأوضاع محملة الإدارة الأمريكية المسئولية المباشرة- دخلت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على خط الخلاف بين "عرفات" و"عباس" فيما وصفه المراقبون بأنه تغيير لجوهر المشكلة وحصرها في الخلاف بين الرجلين- واتَّسم التدخل بالسعي إلى إنقاذ "عباس" من حجب الثقة عن حكومته من جانب المجلس التشريعي الفلسطيني، وفي نفس الوقت استكمال الضغوط على "عرفات"؛ من أجل نزع جميع صلاحياته لصالح رئيس الوزارء الفلسطيني.

وجاء التدخل الأمريكي لصالح "عباس" بناءً على اعتقاد بوجود غالبية داعمة لموقف "عرفات" الرافض للتنازل عن صلاحياته في الأجهزة الأمنية، واعتبرت واشنطن أن إسقاط "عباس" هو بمثابة تصويت ضد "بوش"!! والتقى نائب القنصل الأمريكي في غزة بعدد كبير من أعضاء المجلس التشريعي لينقل إليهم وجهة نظر وزير الخارجية "كولن باول" من أن واشنطن قَلِقَة على مستقبل العملية السلمية وحكومة "عباس" وأن ثمَّة تخوفًا أمريكيًا من مغبَّة حجب الثقة عن هذه الحكومة.

وكانت "كونداليزا رايس" مستشارة الأمن القومي الأمريكي قد أشادت قبل أيام بحكومة "محمود عباس"، قائلةً "تبزغ قيادة فلسطينية جديدة تتفهم وتقول بالعربية واللإنجليزية إن الإرهاب ليس وسيلةً لإقامة الدولة الفلسطينية، بل أكبر عقبة أمام الدولة"، وتابعت قائلةً "لابد من تفكيك الشبكات الإرهابية...".

وجاء هذا التصريح مباشرةً بعد احتجاج صهيوني على نداء وزير الخارجية الأمريكي "كولن باول" للرئيس "عرفات"، ودعاه فيه إلى العمل مع رئيس الوزارء "عباس"، وأن يوفِّر لرئيس الوزارء "عباس" تلك العناصر الأمنية الموجودة تحت سيطرته لتستطيع السماح بتحقيق تقدم في خريطة الطريق وإنهاء الإرهاب.

وقد رد "عرفات" على هذا النداء بترقية العقيد "جبريل الرجوب" رئيس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية سابقًا إلى رتبة عميد وتعيينه مستشارًا للأمن القومي، وهو الرجل الذي كان معروفًا بصلاته الوثيقة بالصهيونيين، واتهم "دحلان" بالتآمر لإقالته من منصبه، كما أصدر "عرفات" أوامره لأجهزة الأمن في غزة بمنع إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون على المستعمرات والبلدات الصهيونية.

وعقب الاجتماع الصهيوني على النداء الأمريكي لـ"عرفات" اعتبرت واشنطن أن هذا النداء كان بمثابة "زلة لسان"، وتفاهمت مع الصهاينة على أن عدم توحيد الأجهزة الأمنية تحت مظلة العقيد "دحلان" يعوق تنفيذ خريطة الطريق، وبناءً عليه أصدر البيت الأبيض تعليقًا على تعيين "الرجوب" يصفه بأنه "إجهاض للحل"، ثم عاد هجومه على "عرفات"- عبر أحد المتحدثين باسمه- باتهامه بأنه "جزء من المشكلة، وليس جزءًا من الحلّ، وذلك في الوقت الذي كان "عرفات" يؤكد فيه للأطراف المعنية سعيَه إلى وقف النار ومطالبته لحركات المقاومة التزام الهدنة.

وفي ذات الإطار كشف وزير التجارة والصناعة الصهيوني "أولمرت" العضو في حزب الليكود أن حكومة السفاح "شارون" تعتبر أن إبعاد "عرفات" مسألةٌ معقدة، وأنها تسعى حاليًا إلى تجاوز الأفكار بشأن قتله أونفيه، والقيام بدلاً من ذلك بالاستيلاء على المقاطعة- مقر إقامة "عرفات" في مدينة رام الله- وعزله نهائيًّا عن العالم الخارجي ومنعه من لقاء واستقبال زائرين على اعتبار أن هذا هو الحل الأمثل لتوفير جميع الصلاحيات لتيار "عباس" و"دحلان" في ما يُسميه الأمريكيون والصهاينة عملية (إصلاح) السلطة الفلسطنية.

ويعتبر الأمريكيون والصهاينة أن "عرفات" يمثل عائقًا أمام تنفيذ المرحلة الأولى من خريطة الطريق؛ نظرًا لرفضه توحيد الأجهزة الأمنية تحت إشراف "عباس" و"دحلان"؛ بهدف مواجهة حركات المقاومة ونزع سلاحها؛ ولذلك يسعون إلى الإبقاء على حكومة "عباس" على اعتبار أنها تضم العديد من العناصر الموالية للقرار الأمريكي والصهيوني، وهي الوحيدة القادرة على التنفيذ الأمنية لتلك المرحلة التي تقرر أنه لا حديث مطلقًا عن دولة (مؤقتة) قبل مواجهة المتورطين في الإرهاب- على حد قول الأمريكيين- وتفكيك البنية التحتية لمنظمات المقاومة الفلسطنية ومصادرة الأسلحة وأن الكيان الصهيوني أثناء ممارسة الاغتيالات والحصار لا يقوم إلا بمساعدة هذه الحكومة على تنفيذ مهامّها.