دخلت أزمة القمح في مصر منعطفًا خطيرًا في الآونة الأخيرة، وقد جاءت هذه الأزمة نتيجة النقص في المعروض السلعي من القمح في الأسواق المصرية، بعد فشل المستوردين الرئيسيين للقمح في فتح اعتمادات جديدة لشراء القمح من السوق الخارجي، وبصفة خاصة السوق الأمريكي، فقد عجزت شركة المطاحن التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية عن توفير احتياجاتها من القمح المستورد، كما لم تستطع جمع أي كميات من القمح من السوق المحلي.

وتتمثل خطورة هذا الوضع في أن مصر تعتمد على استيراد القمح بصورة أساسية، حيث تُعد من أولى الدول المستورده للقمح في العالم، حيث كانت تمثل المركز الرابع عالميًّا من جانب الاستيراد، والذي يصل إلى 6مليون طن حاليًا، وذلك بعد كل من الصين وروسيا واليابان، ولكن خلال السنوات الأخيرة أنتجت الصين استهلاكها المحلي ودخلت روسيا صفوف المصدرين للقمح.

 وبذلك أصبحت مصر في المركز الثاني بعد اليابان، وقد استهلكت في 99-2000 – 2001-2002 م ماقيمته 12.4 مليون طن سنويًّا، أنتجت منه محليًّا 6.4 مليون طن، واستوردت الباقي 6 مليون طنّ بقيمة دولارية بلغت 935 مليون دولار أمريكي في السنة.

معنى ذلك أن نسبة استيراد مصر من القمح لا تقلّ عن 45% من الاستهلاك المحلي تستأ ثر أمريكا بـ41.5 %، منها حتى السنوات الأخيرة، واستراليا 22.7، وأروبا 12.7% ثم كندا بنسبة3.6%، كما تمثل واردات القمح نحو 38% من إجمالى قيمة الواردات الغذائية والزراعية لمصر خلال الفترة 96-97- 2001-2002م.

وهذا بالطبع يمثل عبئًا كبيرًا على ميزان المدفوعات المصري لما يتكلفه من عملات أجنبيه تؤثر على الموارد النقدية والاحتياطي منها بالدولة، إضافةً إلى الانعكاسات الخطيرة على الاقتصاد والوطن، خاصةً في ظل المتغيرات الدولية الحالية التي هي لمصلحة الدول المتقدمة، حيث إن الاعتماد على السوق العالمي في توفير احتياجات مصر من القمح بهذه الصورة يعرض الاقتصاد لمخاطر تقلبات الأحداث العالمية، وكذلك مخاطر تقلبات الأسعار العالمية نتيجة لتقلبات الإنتاج العالمي منه واتجاه الدول المصدّرة الرئيسية إلى تخفيض إنتاجها للتحكُّم في أسعاره، ناهيك عما يحدث على الساحة من متغيرات عسكرية ترفع تكلفة الشحن والنقل، وإضافة مخاطر الحرب كما حدث في الفترة الحالية والماضية؛ مما يجعله في نهاية الأمر مرتفع الثمن.

هذا بالإضافة إلى أن القمح يُعد من الأسلحة الاستراتيجية التي تستخدمها الدول المتقدمه كسلاح سياسي للضغوط على الدول النامية التي تستورده، ومنها مصر مستغلةً عجز إنتاجها في مواجهة استقلالها، خاصةً وأن القمح كسلعة لايمكن بأي حال عدم استيرادها في حالة عدم توافرها بالدولة؛ لأنها غذاءٌ شعبي وليست سلعة ترفيهية.

وهذا يفرض على مصر تحقيق نتيجة زراعية تؤمِّن حدًّا أدنى من الاكتفاء الذاتي من السلع الاساسية، وعلى رأسها الحبوب، وخاصةً القمح الذي يُعد من أولى متطلبات الأمن الغذائي، ومنه يصنع رغيف العيش، خاصةً في ظل الزيادة السكانية التي بلغت 23مليون نسمة في خلال العِقدين الأخيرين.

ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إلقاء اللوم على الزيادة السكانية فقط؛ لأن الهند كانت تستورد 6 مليون طن من الحبوب- نفس معدل مصر- لكن لـ96مليون نسمة، والصين 18مليون طن لـ1.25 مليار نسمة في عام 1996م؛ مما يعنى أن واردات الدولتين (الهند والصين) بلغت 1%، بينما سكانها40% من تعداد العالم، وبالرغم من أن نسبة استيراد القمح في هاتين الدولتين ضئيلة مقارنةً بأعداد السكان ومقارنةً بمصر التي تستورد 6مليون طن لـ70 مليون نسمة إلا أنهما استطاعتا زراعة القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي منه، وكذلك روسيا التي غطت احتياجتها، وأصبحت من الدول المصدرة له، أما مصر فقد اتسعت فجوة القمح فيها بشكل كبير، وقد أدى نقص المعروض السلعي من القمح في الأسواق المصرية إلى ارتفاع سعر الدقيق إلى أكثر من1500 جنيه للطنّ، وهو ما انعكس في زيادة أسعار الخبز بنسبة 25% في أغلب أنحاء البلاد.

وتُعد أزْمة القمح أحد تداعيات قرار تعويم الجنيه في 29 يناير الماضي، والذي أدَّى إلى تدهور في الجنية المصري الذي فقد أكثر من 60% من قيمته خلال السنوات الماضية، وقد تجاوز سعر الدولار 655 قرشًا مؤخرًا، وهو ما يعني تكريس حالة الركود والكساد، وارتفاع الأسعار في معظم المنتجات والخدمات داخل السوق المصرية، أي حدوث تضخم، وقد ارتفعت نتيجة ذلك أسعار الحبوب بنسبة 27% والبقوليات بنسبة 21.5 % والمواد الغذائية بنسبة 17.3 % والأخشاب بنسبة 15.5% والأحذيه بنسبة 7.3%، وهو ما أدى إلى تآكل الدخول الحقيقية للمواطنيين الكتلة الكبيرة من ذوي الدخول المحدودة والمتوسطة، حيث أدى قرار التعويم وما صاحبه من ارتفاع سعر الدولار إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد؛ مما أدى إلى ارتفاع تلك الأسعار وإن كان جزءًا من هذا الارتفاع، نتيجةَ جشع التجار واستغلالهم الظروف؛ لأن بعض هذه السلع تُعد سلعًا محلية، وليست مستوردة، إلا إنه في النهاية أدى قرارُ التعويم إلى ارتفاعٍ في المستوى العام للأسعار، كما أدى إلى زيادة ملحوظه في أسعار القمح المستورد، خاصةً من الولايات المتحده الأمريكية.

وممَّا يزيد من الأمر صعوبة أزمة الركود ونقص السيولة التي يواجهها الاقتصاد المصري قبل أربعة أعوام، ومازالت مستمرة؛ نتيجة العجز الكبير في الميزان التجاري حيث تقف الصادرات المصرية عند حد 4 مليارات دولار مقابل 16مليار دولار واردات، وهو عجز هائل لا تفلح معه أي قرارات حكوميه بالإضافة إلى غياب الاستثمارات الخارجية والصعوبات الناجمة عن اعتداءات 11 سبتمبر والحرب الأمريكية على العراق.

وإزاء هذه التطورات وفي ظل ارتفاع تكلفة الاستيراد ونقص السيولة في مصر اتجهت الحكومة المصرية مؤخرًا إلى اتباع أسلوب المقايضة السلعية في مجال استيراد القمح أي دفع ثمن القمح المستورد بسلع محلية كوسيلة لتعويض النقص القمحي في الأسواق، وتتطلع مصر في سبيل ذلك إلى استيراد القمح من الهند وباكستان وروسيا وأكرانيا ودول أخرى، بجانب المصدِّرين الرئيسيِّين.

وقد أكد د. "حسن خضر"- وزير التموين والتجارة الداخلية- أن استيراد القمح من هذه الدول بنظام الأوفست من خلال تصدير سلع ومنتجات مصرية واستيراد قمح يُعدُّ تنشيطًا للصادرات وفرصةً للحصول على أفضل الأنواع بأرخص الأسعار، كما أكَّد أن خطَّة الدولة تستهدف توسيع مصادر شراء القمح المستورد وتنويع مصادر استيراده.

وقد صرحت د. "فايزة أبوالنجا" وزيرة الدولة للشئون الخارجية أن الحكومة عقدت اتفاقًا مع كل من روسيا وأكرونيا لاستيراد كميات من القمح من البلدين بنظام المبادلة، بحيث يكون نصف الثمن نقدًا، والنصف الآخر على هيئة سلع مصرية تستوردها الدولتان، وتصل مدة الاتفاق خمس سنوات، وأوضحت أن الاتفاق يبدأ بأن نستورد نصف مليون طن من القمح تزداد إلى 1.5مليون طن من كل من روسيا وأوكرانيا مقابل منتجات مصرية.

إلا أنه في الواقع يُعد أسلوب المقايضة محاولة من الحكومة لتوفير القمح نتيجة أزمة السيولة الناجمة عن الركود وانخفاض معدلات أداء الاقتصاد المصري، وتخفيف تبعات قرار تعويم الجنية كما أنه دليلٌ واضحٌ على انخفاض القدرة التنافسية للاقتصاد المصري والتي تعتمد على عرض منتج ذي نوعية بسعر أرخص من أسعار المنتجات المنافسة أو تقديم منتج ذي نوعية أفضل بالإضافة إلى الاعتبارات البيئية والصحيَّة واعتبارات سعر الصرف التي تؤثر أيضًا على القدرة التنافسية.

وقد أوضحت دراسة أعدها المركز القومي للبحوث ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عدةَ توصيات لمواجهة الاعتماد الكبير على الأسواق الخارجية في استيراد القمح وتجنب التقلبات العالمية في أسعاره والتقلبات في الأحداث العالمية، ومن أهم هذه التوصيات:
- زيادة مساحة القمح بـ400 ألف فدان سيحقق إنتاج مليون طن بمعدلات الإنتاج الحالية 2.7طن للفدان مع إمكانية التوسع في زراعة الأراضى الجديدة أو تعديل التركيب المحصولي الشتوي، وزيادة مساحة القمح على حساب بعض المحاصيل الشتوية الأخرى باستخدام وسائل السياسة السعرية، حيث إن الدولة قد حدَّدت سعر توريد طنّ القمح بـ700 فقط، الأمر الذي دفع المزارعين إلى تجنُب زيادة مساحات القمح أو الإقبال على توريده، وفي المقابل تستورد من الخارج بأعلى من هذا السعر بكثير.
- ترشيد استهلاك الفرد السنوي من القمح بمقدار 6 كيلو جرام، وهذه ستساهم في خفض الاستهلاك الكلي 402 ألف طن؛ مما يساهم في توفير 63 مليون دولار تكلفةَ استيراد هذه الكمية.
- وضع خطة لبناء مخزون استراتيجي من القمح يكفي لاستهلاك أكثر من 6 أشهر لتأمين الاقتصاد القومي من ارتفاع الأسعار العالمية، ومن حدوث أزمات غذائية عالمية؛ نتيجة انخفاض الإنتاج العالمي ومن التقلُّبات السياسية الدولية.