اختفت لغة التفاؤل التي كانت تطبع حديث الرئيس الأمريكي "جورج بوش" وكبار المسؤولين في إدارته، وبدأت تظهر لغة جديدة في خطابهم السياسي الإعلامي تتَّسم بالواقعية والإصرار على إكمال الطريق حتَّى النهاية في العراق، وتشير المسافة والفجوة بين الخطابين على أن تراجعًا ما في السياسات الأمريكية في العراق يستدعي التوقف معه؛ لأنه لا يتوقف على الحالة العراقية فقط وإنما يؤسس لتغيير في السياسة الأمريكية على الساحة الدولية.

فعقب الاحتلال الأمريكي للعراق بعد الحرب الخاطفة التي لم تستمر أكثر من ثلاثة أسابيع سقط النظام السياسي العراقي بقيادة "صدام حسين" وحزب البعث، وأصبح العراق يعيش حالةً غير مسبوقة من فراغ السلطة وانهيار الدولة انعكست على جميع العراقيين في معاناة شديدة باستثناء الشمال العراقي، ودخلت البلادُ في مرحلة الفوضى وانفلات الأوضاع الأمنية، ولم تمضِ إلا أيام قليلة على إعلان الرئيس "بوش" عن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، حتى بدأت المقاومة العراقية توجِّه ضرباتها للقوات الأمريكة يوميًا وبكثافة عالية اعترف بها قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق "توني فرانكس" وقدرها ربما وصلت لخمسة وعشرين عملية يوميًا، وفي ظل هذه الورطة التي وقعت فيها قوات الاحتلال الأمريكي بفعل المقاومة العراقية المؤثرة أخذت خطط الاحتلال الأمريكي تُعاني من ارتباك حقيقي تطلَّب التحرُّك لتدارك الموقف، ووقف عملية الانزلاق في المستنقع العراقي الآخذ في التشكيل والتكوين، فقام الحاكم الاحتلالي الأمريكي "بول بريمر" بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي العراقي من خمسة وعشرين شخصية عراقية، إلاَّ أن المجلس لم يستطِع حتى الآن الحصول على شرعية في الداخل أو الخارج، وما زال يعاني من مشكلات في طبيعة تشكيلة المسؤوليات المنوطة به، وقدرته على توفير الحاجات الحياتية للعراقيين أو حتى توفير الأمن للعراقيين.

وفي ظلّ هذه الورطة الأمريكية في العراق، وتبدُّد إمكانية الحكم الاحتلالي الأمريكي الهادئ نسبيًا للعراق أدلى كبار مسئولي الإدارة الأمريكية في تصريحات هامة تتطلب التوقف عندها وتحليلها مع اعتماد الوثيقة التي نشرها مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية الأمريكية، والتي أعدَّت بتكليف من البنتاجون قراءة مسار التحرك الأمريكي في العراق، والذي بدأ يتراجع فعليًا عن بعض مسلماته السابقة في حكم العراق إلى أفكار جديدة وسياساته جديدة.

في البداية اعترف الجنرال الأمريكي "ديفيد ماكيرنان"، وأن تصفية الرئيس المخلوع "صدام حسين" لن تنهي المقاومة العراقية، ثم جاءت تصريحات الجنرال "ريتشارد مايرز" رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة بأن استمرار تسلل المقاتلين الأجانب باتَ مسألةً خطيرةً قد تؤدي إلى مواجهة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وجيران العراق، وتأكيده أن الدبلوماسية هي الوسيلة الأساسية التي ستلجأ إليها الولايات المتحدة باعتبارها الوسيلة الأكثر فعالية.

أما تصريحات الرئيس "بوش"- في حديثة الإذاعي الأسبوعي- فأكد فيها أن المائة يوم ليست كافية للتخلص نهائيًا من إرث "صدام حسين" في العراق، وأن هناك عملاً يتطلب وقتًا وصبرًا، وعدَّد "بوش" المجالات التي حدث فيها تقدم في العراق ومنها إنشاء قوات شرطة عراقية.
وجاءت تصريحات مستشارة الأمن القومي الأمريكي "كوندليزا رايس" لتضع نقطة هامة على الحروف الأمريكية في العراق، إذ قالت "إننا لا نرغب في أن يقوم جنودنا باصطحاب الأطفال لدُور الحضانة".

وكان "البنتاجون"- وزارة الدفاع الأمريكية- قد أصدر وثيقةً هامةً بعد دراسة عميقة قام بها عدد من الخبراء العسكريين السياسيين الأمريكيين المستقلين في العراق زاروا خلالها ما يقرب من 11 مدينة عراقية، والتقوا مع عشرات من الشخصيات العراقية، وقدَّموا وثيقةً هامةً للتنفيذ في العراق جاء في مقدمتها عبارة هامة تسترعي الانتباه وهي: "أن نافذة الفرص لتعديل الوضع في العراق تغلق بسرعة".

وحددت هذه الوثيقة أن الشهور الثلاث القادمة حاسمة للوجود الأمريكي في العراق؛ حتى لا تخوض القوات الأمريكية في المستنقع العراقي، وحدَّدت سبع نقاط تحتاج لاهتمام قوات التحالف الأمريكي في العراق منها:

1- ضرورة أن يضمن التحالف توفير الأمن تمامًا في كلّ أجزاء البلاد، بحيث ينضم إلى القوات الأمريكية قوات عراقية لحفظ الأمن، واستئجار "قوات أمن خاصة" بسرعة للمساعدة على التخفيف من أعباء القوات الأمريكية، وتحرير الآلاف من القوات الأمريكية من هذا الواجب.

2- توسيع الدور العراقي في عملية إعادة البناء مع إعطاء دور أكبر للعراقيين في القرارات الأكثر صعوبة التي تصدر عن مجلس الحكم الانتقالي.

 3- توفير فرص عمل للأيدي العاطلة، ووضع أسس اقتصادية لتوفير خدمات اجتماعية، مع تجديد خدمات البنية الأساسية فورًا في الكهرباء والماء وغيرها.

4- الاتجاه إلى المركزية كأمر ضروري لصعوبة إدارة البشر والمدن والأعمال العراقية عبر سلطة مركزية واحدة؛ لأن التطبيق غير النظرية، وموارد سلطة الاحتلال محددة.

5- يجب على التحالف أن يسعى لتسهيل عملية تغيير عميق في الحالة العقلية الوطنية العراقية، ويتطلب ذلك فتح قنوات أكبر من الموجودة حاليًا لتعزيز الثقة بين الطرفين.

6- تحتاج الولايات المتحدة لتعبئة تحالف إعادة بناء جديد بسرعة، بحيث يكون أوسع جدًا من التحالف الذي شنَّ الحرب، ويغطِّي النواحي المالية والتمويل؛ بسبب تصاعد معاداة أمريكا في أجزاء كبيرة من العراق.

7- توفير دعم مالي كبير جدًا أكثر مرونة على المدى القصير والأجَل المتوسط، وهو ما يعني أن (الكونجرس) سيحتاج لوضع ميزانية وتمويل تكاليف إعادة البناء بالكامل حتى عام 2004م.
وأوصى التقرير بزيادة دور العراقيين في الإدارة المدنية، وفتح نوافذ بين الاحتلال والعراقيين وزيادة الدعم المالي للعراق، وعدم الاعتماد على عوائد البترول الحالية فقط للقيام بمشاريع إعادة الإعمار، وتخفيف حدَّة تدخل الجيش الأمريكي في الشئون العراقية الداخلية والمدنيَّة.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية وإدارة الاحتلال الأمريكي في العراق بادروا بتنفيذ بعض هذه التوصيات التي جاءت في هذه الوثيقة، فقد كلَّف الجيش الأمريكي منذ أيام- لأول مرة- وحدة عراقية لحماية البُنى التحتية في بغداد، وأكد أحد المسئولين العسكريين الأمريكيين أن ما حدث هو تحول في المسؤولية، وأعلن الجيش الأمريكي أنه تعاقَد مع150عراقيًا كبداية لحماية البُنى التحتية، وأن هذا العدد سيرتفع إلى 11ألف رجل عراقي، ولا يُخفي الأمريكيون رغبتهم في نقل مهامّ الأمن إلى العراقيين التي عجزت القوات الأمريكية- المسلحة بالعتاد الثقيل- عن توفير هذا الأمن.

كما اقتربت الولايات المتحدة من الأمم المتحدة خطوات أكثر، وذلك لجذبها إلى العراق ودفعها إلى تحمُّل جزءٍ من تكاليف الاحتلال المادية والبشرية، وظهر هذا الاقتراب في اللقاء الحارّ بين "بوش" وأمين عام الأمم المتحدة "كوفي عنان" في البيت الأبيض، والحديث عن استعداد واشنطن ولندن لدعم قرار جديد من الأمم المتحدة في شأن إعادة البناء في العراق، وهو ما أكدته الوزيرة البريطانية "فاليري أموس"- في تصريحات لصحيفة "ديلي تلغراف"- حيث قالت: "إن أمريكا التي صدمتها التكاليف المرتفعة لتوطيد النظام في العراق فيما يتعلق بكل من المال والأرواح بدأت ترى مزايا إصدار قرار آخر في هذا الشأن"، وأضافت الوزيرة أن بريطانيا تفكر في استغلال رئاستها المقبلة لمجلس الأمن لتقديم مشروع قرار كأساس سياسي لانضمام مزيد من القوات العملية الأمن في العراق.

وعلى نفس الطريق سارت واشنطن مع العالم العربي حيث أوفدت "وليام بيرنز" مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط لإجراء محادثات مع المسئولين المصريين تتعلق بالطلب الأمريكي الخاص بإرسال قوات عربية إلى العراق، وكذلك تقدمت السفارة الأمريكية بطلب إلى الجامعة العربية لعقد لقاء غير رسمي بين "بيرنز" و"عمرو موسى" الأمين العام للجامعة العربية، بل وتمارس أمريكا ضغوطًا على العواصم العربية لتعترف بالمجلس المؤقت وتبعث بقوات إلى العراق.

وقد صاغ "مورتون أبراموتز"- المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكية لشئون الاستخبارات في منتصف الثمانينات، في مقال له بعنوان (بعد العراق لا تبدو الآفاق مبشرة)- بعض ملامح التراجع في السياسة الأمريكية في العراق والتي تؤسس لتراجع أمريكي على الساحة الدولية، فأكد أن ما بعد الحرب في العراق كانت لها استحقاقات هامة لم تكن في حسبان إدارة الرئيس "بوش"، وأن سياسة الضربة الاستباقية تجاه "أنظمة الحكم المارقة" لم تعد تحظى بنفس القوة، وأن الحديث عن قدرة الولايات المتحدة- عن خوض حربين استباقيتين واسعتين- في نفس الوقت لا تستند على أساس متين، فربَّما تتوافر بواشنطن القدرة العسكرية، لكنها تفتقد إلى الإدارة السياسية اللازمة؛ لأن واشنطن هي عاصمة الأزمة الواحدة، إضافةً إلى أن شهية الرأي العام والجيش الأمريكي لم تَعُد مفتوحة للقيام بعملية وقائية أخرى، وأكد "مورتون" في هذا المقال الهام أن أهمية الأمم المتحدة باتت تتعاظم، ولم يكن من السهولة بمكان الاعتقاد بأن الشعب الأمريكي- وعقب تجربة العراق- سيدعم تبني إجراء عسكري انفرادي تجاه دولة مارقة، وأكد أن حاجة الولايات المتحدة للأمم المتحدة في العراق وأفغانستان تفوق مستوى تقهقُر نهج السياسة الاستباقية وتصاعد حدة عجز الموازنة.

وأكد "مورتون" أن هناك احتمالاً لأن تَرفع الولايات المتحدة يدَها عن مسألة إعادة الإعمار في العراق، وهو ما يشير إلى تراجع في دعاية إدارة "بوش" في بناء دولة في العراق غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

يرى المراقبون أن مسلسل التراجع الأمريكي في العراق بدأ في التحرك، لكن ما يميز التخطيط الأمريكي هو المرونة الكبيرة في تنفيذ الخطط بما فيها المخططات الكبرى، مع امتلاك الولايات المتحدة لبدائل متعددة لتحقيق أهدافها وعدم الركون إلى بديل واحد، وهذا ما يجعلنا نعتقد أنه ما زالت هناك فصول كثيرة في الاحتلال الأمريكي للعراق، وستَكشف السنوات القادمة عنها، وبعض هذه الفصول ما زال جديدًا وغير متوقع، فلا يعني التراجع الأمريكي الحالي في العراق أن واشنطن أقلعت عن هدفها الاستراتيجي في العراق، إذ إن الاستراتيجيات الكبرى للولايات المتحدة تتجاوز مؤسسة الرئاسة، وبالتالي فنحن أمام خطة أمريكية مرنة تمتلك بدائل متعددة لتنفيذ الهدف الاستراتيجي في احتلال العراق، فالتراجع عن بعض البدائل- التي أثبتت التجربة فشلها- لا يعني التراجع عن الاحتلال وأهدافه الاستراتيجية.

وإن كان واقع العراق بعد اجتياحه يفرض نفسه ويعمِّق بصماته على قوات الاحتلال في اتجاه تُضطَّر فيه واشنطن لإعادة النظر في السياسات.