بعد أن أطلق "شارون" تصريحات جديدة ضدَّ مصر، يربط فيها بين الإفراج عن الجاسوس الصهيوني "عزام عزام"، الذي يقضي سجنًا بالمؤبد، ودور مصر في عملية التسوية بقوله: إذا لم تفرج مصر عن "عزام" فإنها ستَخرج عن عملية السلام..، اقتصر ردُّ الفعل المصري على رفْض هذه التصريحات، واعتبار أن دور مصر يحدده التاريخ والجغرافيا ونقلها في المنطقة وليس رئيس الوزراء الصهيوني.

وقد جاءت هذه التصريحات عقب عودة "شارون" من زيارته للولايات المتحدة مباشرةً، وفي أعقاب تصريحات للرئيس "مبارك" بأن "شارون" هو الشخص الأقدر على توقيع اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية، وأن الأمر يتوقف على توافر الإرادة السياسية لديه، وهو الأمر الذى اعتبره "شارون" بأن القاهرة تعمل على استمرار دورها في عملية التسوية، إضافةً إلى أن "شارون"- كما يبدو- اعتبر هذه التصريحات في الوقت نفسه تسليمًا واعترافًا بأهيمة وجوده ودوره؛ ولذلك قام على الفور بالإعلان في جلسة الحكومة الصهيونية بأنه لن يكون لمصر أيُّ دور في العملية، طالما بقِي الجاسوس "عزام" في السجن.

وكشف رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب، أنه طرح قضية الجاسوس الصهيوني المحكوم عليه في مصر، في جميع لقاءاته مع المسئولين في الإدارة الأمريكية، أثناء زيارته الثامنة لواشنطن 29 يوليو الماضي، وأنه توجَّه لدى الرئيس "بوش" للضغط على مصر؛ لإصدار عفو رئاسي عن الجاسوس الصهيوني، وكذلك إرجاع السفير المصري إلى تل أبيب، وتنشيط التطبيع الاقتصادي والثقافي بين مصر والكيان الصهيوني.

ولم يذكر المسئولون المصريون حقيقةً أن الحديث عن الدور المصري يتم في ظل ترتيبات أمريكية وصهيونية جديدة في المنطقة، ودعوا- كالعادة- إلى عدم الالتفات إلى مثل هذه التصريحات، كما أعلنت المصادر السياسية والإعلامية المقربة من الحكومة أن مصر ترفض الإفراج عن السجين الصهيوني، المتهم بالتجسس لصالح الكيان الصهيوني "عزام عزام"، قبل إنهاء مدة 15 عامًا، أمضى منها حتى الآن 7 سنوات، وشدَّدت الردود الإعلامية الرسمية على الطابع القانوني للقضية واستقلالية القضاء المصري، وهو ما اعتبره بعض المراقبين بدايةً لسيناريو مشابه، انتهى بالإفراج عن الدكتور "سعد الدين إبراهيم".

وبالنسبة إلى توقيت تصريحات "شارون" فقد ظهر تفسيران لها، أحدها تبيّنه وسائل الإعلام الرسمية المصرية، وتَذهب إلى أن "شارون" يهدف من ورائها إلى الانتقام من مصر؛ لأنها استطاعت إقناع الإدارة الأمريكية بإرجاء مسألة تفكيك حركات المقاومة الفلسطينية، وفيما يتعلق بقضية الجاسوس "عزام عزام" رأى البعض أن الكيان الصهيوني يُظهر دومًا الحرص على رعاية الأقليات، وذلك في إشارة إلى مخطَّط صهيوني قديم بإعادة ترتيب المنطقة على أُسس عرقية ومذهبية؛ بما يضفي الشرعية على وجودها فيها.

أما الرأي الثاني فيرى أن هذه التصريحات مؤشر خطير على وجود اتجاه لإعادة توصيف الدور المصري في المنطقة، والمعروف أن الرؤية الصهيونية تستند إلى مقولة إن إبرام معاهدة سلام صهيونية- مصرية سيجعل مصر- لا محالة- خارج إطار الصراع، وخارج إطار جهود التسوية السياسية، بمعنى أنَّها لن تتبنَّى سياسة داعمة للأطراف العربية، ولا يمكنها اتخاذ مواقف في مواجهة الغطرسة الصهيونية والاعتداءات المتكررة.

 ويضيف أصحاب هذا الرأي أن الصهيونيّين لا يريدون فقط من مصر الصمت إزاءَ خروقاتهم للهدنة ولمبادرة التسوية الأمريكية، أو فيما يتعلق بالتهديدات الأمريكية والصهيونية الحالية ضد سوريا ولبنان، وإنما أيضًا أن تسعى القاهرة إلى مساعدة الحكومة الصهيونية في الإطاحة بـ"عرفات"، وتعزيز دور "أبو مازن" بطريقة تؤهله لمواجهة حركات المقاومة الفلسطينية، والنهوض بما هو مطلوب منه أمريكيًّا.

وفوق هذا وذاك فقد ناقش "شارون"- في واشنطن- مقترحات حول مشاركة الدول العربية أمنيًا وسياسيًا في الحفاظ على قوة الدفع الأمنية للحكم الأمريكي في العراق، زاعمًا أن مصر يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في هذا الصدد، وذلك فيما يطلق عليه إمكانية أن تقنع الأطراف العربية بإنشاء تحالف عربي- أمريكي- صهيوني؛ من أجل الحفاظ على الوضع في العراق، وترتيب الوضع في "الشرق الأوسط".

ويقول هؤلاء إن "شارون" يعتبر أن مصر يمكنها أن تلعب هذا الدور فقط إذا سمحت القاهرة لأعضاء الحكومة بزيارة الكيان الصهيوني، وأن يستقبل الرئيس المصرى بمطار "بن جوريون"، وأن يتم الإفراج عن الجاسوس "عزام عزم"، وتزداد أنشطة التطبيع الاقتصادي والثقافي.