قام "وليام بيرنز" مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة إلى القاهرة، التقى خلالها بالرئيس "مبارك" ووزير الخارجية "أحمد ماهر"، بحَث خلالها الملفَّين الفلسطيني والعراقي، وأعاد في زيارته طرح الرؤية الأمريكية التي تتبناها إدارة الرئيس "بوش" بخصوص القضية الفلسطينية، أما الملف العراقي فقد حمَل حديث "بيرنز" ما يشبِه بعض التطور في الرؤية الأمريكية تجاه المسألة العراقية.

وقد جاءت زيارة "بيرنز" للقاهرة في إطار عدة تطورات في المنطقة، لم يستطع "بيرنز" أن يبتعد عن مناقشاتها خلال هذه الزيارة، أهمها التوتر الحالي بين سوريا والكيان الصهيوني، بعد التوتر في جنوب لبنان بين (حزب الله) وبين الاحتلال الصهيوني في مزارع شبعا، والتهديد الصهيوني بضرب أهداف سورية، وكذلك تحرك مثلث القاهرة- الرياض- دمشق تحت عنوان تفعيل العمل العربي المشترك، ورفض الأعتراف بمجلس الحكم الانتقالي في بغداد، واقتراب الهدنة بين الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني من الانهيار بعد الممارسات الصهيونية والأعمال العدوانية ضد الفلسطينيين، وتهديد بعض الفصائل الفلسطينية بالتراجُع عنها، وازدياد حرج القوات الأمريكية الاحتلالية في العراق؛ بسبب أعمال المقاومة العراقية الآخذة في التصاعد والانتشار بالأراضي العراقية.

ومن ثمَّ جاء "بيرنز" إلى القاهرة- في هذه الزيارة التي تلت زيارته لبغداد- برؤية أمريكية منفتحة بعض الشيء، على خلاف زيارته السابقة التي كانت تحمل إملاءات واحدة التنفيذ، وأجندة أمريكية ذات بنود محددة لا تقبل التفاوض، ولقد تميزت تصريحاته وأجندة الزيارة بقدر من المرونة والانفتاح، والتمهيد التقليدي بالملف الفلسطيني للوصول إلى المطالب الأمريكية الجديدة في الملف العراقي.

وكانت الأخبار التي نُشرت قبل زيارة "بيرنز" للقاهرة تؤكد أن السفارة الأمريكية بالقاهرة تقدَّمت بطلبٍ إلى الجامعة العربية لعقْد لقاء غير رسمي، بعيدًا عن أجواء الجامعة العربية بين أمينها "عمر موسى" وبين "وليام بيرنز"، وتقدّمت أمريكا بطلب إلى الدول العربية بضرورة إرسال قوات عربية للقيام بمهام حفظ الأمن في العراق، قبل حلول مارس المقبل؛ حتى يتسنَّى لبعض الفِرَق الأمريكية العودة إلى بلادها.

وبالتالي فان زيارة "بيرنز" من المؤكد أنها حملت مطالب صريحة للدول العربية بإرسال قوات عربية للعراق، وقد غلَّف "بيرنز" هذا المطلب بغطاء مستساغ؛ حتى تتقبله الدول العربية، فأكد أن الرئيس "بوش" مصمم على تنفيذ خريطة الطريق، مع قلقه من بناء الجدار الفاصل، ودعا الطرفين- الفلسطيني والصهيوني- إلى انتهاك الهدنة، إلاَّ أنه دعا أن تكون السلطة الفلسطينية هي الوحيدة الممثلة للفلسطينيين.

وعلى صعيد الموقف الأمريكي من الغارات الصهيونية على جنوب لبنان عبَّر "بيرنز" عن قلق واشنطن إزاء هذا الأمر، وطالَب الطرفَيْن بضبط النفس وبذل الجهد لوقف التصعيد والتدهور في الموقف الذي لن يكون في صالح الطرفين، على حد تعبيره.

إلا أن حديث "بيرنز" لم يحمل في هذا الشأن أيَّ جديد، كما لم يحمل أيضًا أيَّ التزام أمريكي واضح- أو حتَّى غير واضح- لوقف بناء الجدار الفاصل، الذي تُشيّده الصهيونية بينها وبين الفلسطينيين، كما أنه لم يحمل صهيون أيَّ مسؤولية عن تدهور الأوضاع مع الفلسطينيين، أو عن الجبهة اللبنانية، وساوى في ذلك بين الاعتداءات والاستفزازات الصهيونية للفلسطينيين والمقاومة اللبنانية، وبين الرد على هذه الاعتداءات والاستفزازات، وحاول "بيرنز"- في تصريحاته- دقَّ "أسفين" بين الفلسطينيين وبين الدول العربية خاصةً مصر، عندما صرح بأن واشنطن تعتبر السلطة الفلسطينية هي الجهة الوحيدة الممثلة للشعب للشعب، وهو ربما يعني أن مفاوضات مع (حماس) و)الجهاد الإسلامي) وبقية التنظيمات الفلسطينية لا تحظى بشرعية من وجهة النظر الأمريكية، كما أنه يعني بالطبع أن منظمات المقاومة كلها في المفهوم الأمريكي لا يعترف بها، وأن السلطة وحدها هي المعترف بها، وأنها وحدها التي تملك القرار، وتملك حق امتلاك السلاح.

وبخصوص الملف العراقي تحدث "بيرنز" عن التزام مصر والولايات المتحدة المتبادل لاستعادة الأوضاع الطبيعية في العراق بأسرع وقت ممكن، ودعم السياسة التي بدأت بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي، وأكد أن هناك دورًا هامًا للأمم المتحدة في العراق؛ من أجل استعادة النظام وحكم القانون والخدمات الأساسية، وأن دور دول المنطقة يتمثل في معاونة مجلس الحكم الأنتقالي وتشجيعه، باعتباره خطوةً مهمة في الطريق الصحيح، إضافةً إلى تشجيع الوزراء الذين يتم تعيينهم ومنحهم الدعم السياسي المطلوب.

إن زيارة "بيرنز" كانت تهدف في حقيقتها إلى الحصول على الدعم السياسي لمجلس الحكم الانتقالي في العراق، والحيلولة دون تشكيل موقف عربي رافض لهذا المجلس، بعد ما رأت مصر وسوريا والسعودية في التحرك وإعلان رفضها الصريح، دون شروط للاعتراف بهذا المجلس، ومحاولة فكّ الجمود العربي ضدَّ الخطوة السياسية الأمريكية في التشكيل القادم للحكومة العراقية برعاية "بريمر".