ليست هي المرة الأولى التي تقدم فيها حركة المقاومة الإسلامية حماس وجناحها العسكري "كتائب الشهيد عز الدين القسام" شهيدًا من قادتها، فلن تنسى أرض فلسطين الشيخ أحمد ياسين والشهيد عبد العزيز الرنتيسي والشهيد يحيى عياش وصلاح شحاته ونزار ريان وسعيد صيام واليوم الشهيد القائد العام لكتائب القسام ورئيس أركان حركة حماس كما يلقبه الاحتلال، إنه أحمد سعيد خليل الجعبري أو "أبو محمد".
ولد الجعبري في عام 1960 بحي الشجاعية، شرق مدينة غزة، وتعود أصول عائلته التي كانت تمتهن التجارة، إلى مدينة الخليل الفلسطينية جنوب الضفة الغربية، قبل أن تستقر بقطاع غزة قبل ثمانين عامًا.
وفي سن السابعة عشرة من عمره انضم إلى حركة "فتح"، قبل أن تعتقله القوات الاحتلال وتحكم عليه بالسجن لمدة 13 عامًا، وأثناء حبسه ترك حركة فتح وانتمى لما يسمى آنذاك "الجماعة الإسلامية" لينضم بعدها إلى حركة حماس بعد الإعلان عن تأسيسها في عام 1987، وأصبح من قادة الأسرى وممثليهم أمام إدارة السجون.
وأجاد الجعبري اللغة العبرية، وهو ما مكنه من الانتساب للجامعة العبرية ودراسة التاريخ؛ ليحصل على شهادة البكالوريا في التاريخ.
وبعد توقيع اتفاقية "أوسلو" بين منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة حركة فتح، والاحتلال عام 1993، تم الاتفاق على الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، بينهم الجعبري، بشرط توقيعهم على تعهد بترك العمل العسكري، غير أن الجعبري رفض التوقيع على هذا التعهد واختار البقاء في السجن، وكان يومها قد اجتاز إحدى عشرة سنة في الأسر، وتبقت له سنتان، وقال الجعبري حينها قولته المشهورة: "أمضيت في سجون الاحتلال 11 عامًا، سأمضي العامين الباقيين ولن أوقع على تعهّد يحرمني من مقاومة المحتل".
ورافق الجعبري، أثناء فترة اعتقاله مؤسس وقائد كتائب القسام، الشيخ "صلاح شحاتة" في زنزانته فتأثر به، واستمرت العلاقة خارج السجن ليصبح بعدها من أبرز المساعدين لشحاتة في العمل العسكري.
تركز نشاطه بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال عام 1995، على إدارة مؤسسة تابعة لحركة "حماس" تُعنى برعاية الأسرى ثم عمل في العام 1997 في مكتب القيادة السياسية للحركة بالقطاع وذلك من خلال حزب الخلاص الإسلامي المنبثق عنها.
إبان هذه الفترة، توثقت علاقات الجعبري بالمجاهد محمد الضيف وسعد العرابيد وعدنان الغول، وهم من أبرز قادة كتائب القسام، الأمر الذي قاد نحو اعتقاله على أيدي أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية عام 1998، على خلفية اتهامه بأداء دور حلقة الاتصال ما بين الجهاز العسكري والقيادة السياسية لـ"حماس"، وظل معتقلاً حتى بداية انتفاضة الأقصى عام في عام 2000.
بعد استشهاد القائد صلاح شحاتة عام 2001، عين الجعبري نائبًا لقائد كتائب عز الدين القسام "محمد الضيف"، والمسئول الميداني المباشر عن عمل كتائب القسام على الأرض، فبدأ في استقطاب أكبر عدد ممكن من عناصر حركة حماس القادرين على حمل السلاح وتأهيلهم.
أشرف نائب قائد كتائب القسام على إنشاء أكاديمية عسكرية سميت حينها "أكاديمية الشهيد صلاح شحادة العسكرية"، وكانت مهمتها تدريس الفنون العسكرية المختلفة لمقاتلي الكتائب، والعمل على تخريج عناصر تصلح لحرب العصابات، إلا أن المحطة المفصلية في مسيرة الجعبري الجهادية كانت في العام 2003، مع محاولة اغتيال محمد ضيف التي نفّذتها قوات الاحتلال وأدّت إلى إصابته بجروح بالغة تسببت في شلله وعدم قدرته على مواصلة قيادة الكتائب، الأمر الذي دفع نحو إعادة تشكيل المجلس العسكري للكتائب في القطاع، فتم تعيين الجعبري قائدًا فعليًّا للقسام، لكن في موقع نائب ضيف، الذي أبقى عليه قائدًا فخريًّا عامًا.
وتجلت سريعًا المؤهلات القيادية للجعبري، فبدأت بصماته تظهر تباعًا عبر التغييرات الكبيرة التي أحدثها في بنية الكتائب، محوّلاً إياها من مجموعات إلى جيش شبه نظامي يتألف من أكثر من عشرة آلاف مقاتل موزعين وفقًا لهرمية تنظيمية واضحة تضم وحدات من مختلف الاختصاصات القتالية، فضلاً عن ترسانة متنوعة وضخمة من الأسلحة التي يصنع بعضها محليًّا.
وبدأ تقسيم كتائب القسام إلى ألوية وكتائب وسرايا وفصائل ووحدات مهنية مختلفة، مثل الاستخبارات والتصنيع العسكري والاتصال والتسليح وسلاح المدفعية والدفاع الجوي.
ويُعدّ ملف الجعبري لدى أجهزة الاحتلال دسمًا بامتياز، فلائحة الاتهامات التي يضمها هذا الملف تبدأ بالمسئولية عن جملة من العمليات النوعية ضد الاحتلال قبل انسحابه من القطاع عام 2005 وبعده، ولا تنتهي عند المسئولية عن التخطيط لسيطرة حركة «حماس» علي القطاع في 2007، مرورًا بالنظر إليه بوصفه العقل المدبر وراء عملية خطف جلعاد شاليط. وقيادتة التصدي للعدوان الذي شنته قوات الاحتلال على قطاع غزة، وتُعد نقطة الذروة في الخط البياني لسجله "الإرهابي" من وجهة نظر الاحتلال، الذي لم يألُ جهدًا في سبيل تصفية الحساب معه.
كما أن وسائل الإعلام الصهيونية اعتبرته "مهندس" التصدي لهذا العدوان، وأطلقت عليه لقب "الشبح" نظرًا لعجز الاحتلال عن اغتياله خلال تلك الحرب.
نجى القائد الفلسطيني من ثلاث محاولات اغتيال كان آخرها، قصف منزله في بداية الحرب الصيونية الأخيرة على قطاع غزة، وفي عام 2005 نجى من محاولة اغتيال أخرى، بعد قصف لطيران الكيان منزل عائلة "سلمية"، الذي كان يُعقد فيه اجتماع للمجلس العسكري للقسام، وأصيب خلالها محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام بجروح متوسطة.
كانت محاولة الاغتيال الأولى عام 2004، عندما قصفت طائرات الاحتلال منزله فأصيب بجروح متوسطة، واستشهد ابنه البكر محمد "22 عامًا"، وأخوه وعدد من سكان المنزل.
استشهد المجاهد أحمد الجعبري في قطاع غزة بغارتين قصفتهما قوات الاحتلال بطائرة إف16 أثناء مروره بسيارته بشارع عمر المختار، وسط توعد من المقاومة بالرد على هذا الاغتيال.