تجيء زيارة "عباس أبو مازن" لواشنطن- وهي الزيارة الأولى لرئيس الوزراء الفلسطيني الجديد للبيت الأبيض- في سياق تزايد الخروقات الصهيونية لمبادرة الهدنة وخريطة الطريق، التي تعبّر عن رؤية الرئيس الأمريكي؛ وبذلك كان الهدف منها يتمثل في الحصول على ضغط أمريكي على الكيان الصهيوني؛ بما يؤدي إلى تذليل العقبات التي تحُول دون تنفيذ هذه الخريطة.
وكانت الرسالة التي حملها "عباس"- سواء من السلطة الفلسطينية أو الأطراف العربية الصديقة- ذات شقين:
الأول: أن تقوم الإدارة الأمريكية بدفْع الصهاينة إلى التفاوض مع الحكومة الفلسطينية في مختلف القضايا؛ كي يتسنَّى إيجاد الحلول الوسط، بدلاً من أن ينفرد الصهاينة باتخاذ قرارات من جانبهم بشأنها.
الثاني: يتمثَّل في أنَّ "أبو مازن" حصل على هدنة مشروطة من الفصائل، وأول شروطها الإفراج عن 8 أو10 آلاف أسير ومعتقل فلسطيني؛ لذلك يجب أن تكون قضية الأسرى والمعتقلين على رأْس أجندة اللقاء مع الرئيس الأمريكي، فضلاً عن قضايا أخرى، مثل الجدار الفاصل والمستوطنات (أقام المستوطنون 96 مستوطنة في العامين الماضيين)، والتي لا تعد فقط خرقًا لخريطة الطريق الأمريكية، وإنما قد يؤدي الأداء الصهيوني فيها إلى انهيار الهدنة، وعودة العمليات الاستشهادية ضدّ الكيان الصهيوني.
وقد سبق اجتماع "عباس" بالرئيس الأمريكي عدة لقاءات، مع كل من "كوندوليزا رايس" مستشارة الأمن القومي الأمريكي و"كولن باول" وزير الخارجية، وأعضاء بعض لجان الكونجرس، وممثلين عن المنظمات اليهودية الأمريكية، وطالب أثناء هذه اللقاءات أن يتم رفع الحصار عن الرئيس "عرفات"، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين، ووقف بناء الجدار الفاصل.
وفي مقابلة مع شبكة C.N.N ذكر "عباس" أنه سيعرض على الرئيس الأمريكي خرائط؛ ليتمكن من الاطلاع على القضايا التي يواجهها الشعب الفلسطيني بوضوح، (وهي الخاصة بالاستيطان والاحتلال والحواجز)، وكانت بعض الصحف الفلسطينية قد أرجعت تحميل رئيس الوزراء الفلسطيني هذه الخرائط بأن هناك ضبابيةً وعدم عمق فهم من جانب الإدارة الأمريكية بطبيعة الوضع على الأرض، إذ إن المسئولين الأمريكيين لا يعلمون أن الفلسطينيين يطالبون بـ22% من فلسطين التاريخية، وتتمثل في الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين تمّ احتلالهما 1967م، وإن كان هذا يتنافى مع ما تردَّد حول تقديم "بوش" خريطة لأرض الميعاد- وتضم فلسطين والأردن والعراق وأغلب الشام- هدية لشارون حين التقى به".
وخلال هذه اللقاءات ركزت بعض التصريحات من جانب "عباس" على أن عدم ممارسة الضغط "الأمريكي" على الكيان الصهيوني" في القضايا المشار إليها قد يضر بشعبيته وموقف حكومته المعتدل، قائلاً إنه في حال غادَر واشنطن- دون أن يحصل على التزام أمريكي واضح حول أي من المشاكل التي يرغب الفلسطينيون في حلها- فسوف يعم الإحباط كافة الأراضي الفلسطينية، وسنكون- أنا وحكومتي- في وضع صعب للغاية.
وقبيل هذه الزيارة أعلنت وسائل الإعلام الصهيونية أن زيارة "عباس" في 25 يوليو- ويليها زيارة "شارون" في 29 يوليو، والتي تمَّت بالتوافق بين واشنطن وتل أبيب- تهدف ألاَّ تقوم الحكومة الصهيونية بالدفع مرتين في مسألة الأسرى والقضايا الأخرى، والقيام في الوقت نفسه ببلورة موقف أمريكي- صهيوني موحّد؛ بشأن الوضع في فلسطين المحتلة.
وأثناء تواجد الوفد الفلسطيني في العاصمة الأمريكية أعلن الكيان الصهيوني اتخاذ عدد من الإجراءات، حيث صادقت الحكومة على إطلاق نحو 520 أسيرًا ومعتقلاً، بناءً على معايير محددة، من بينها نحو100 من حماس والجهاد أو ممن أدينوا في أحداث بسيطة، مع إزالة ثلاثة حواجز رئيسية، والانسحاب من مدنيتين إضافيتين في الضفة الغربية، وقال بيان للحكومة الصهيونية: إن تحديد المدينتين وماهية المسئولية الأمنية التي ستُلقى على عاتق الفلسطينيين وموعد تنفيذ الخطوة سيتمّ الاتفاق عليه في لقاء بين وزير الدفاع "شاؤول موفاز" والعقيد "محمد دحلان" عن الجانب الفلسطيني.
وذكر البيان أن حكومة الصهاينة أعطت المزيد من تصاريح العمل بمقدار 5 آلاف لسكان قطاع غزة 2500 لسكان قلقيلية و1000 تصريح عمل لسكان بيت لحم، وأنَّ اللجنة الوزارية المكلفة بملف المعتقلين سوف تنعقد مجددًا مطلع أغسطس؛ للبحث في إحداث تغيير في المعايير بغية السماح بالإفراج عن مئات آخرين من المعتقلين، وبحث إطلاق سراح أسرى من حماس والجهاد الإسلامي.
وفي حين يتحدث الصهاينة عن هذه الإجراءات قام الجيش الصهيوني بإغلاق الطرق الفرعية والبديلة كإضافة إلى سلسلة التشديدات على الحواجز المنتشرة في الأراضي المحتلة، ويرى المواطنون الفلسطينيون أنهم لم يلاحظوا أي تخفيف حقيقي للحصار؛ لأن ما تمارسه قوات الاحتلال على الأرض هو مزيد من أحكام الخناق والتشديد، وإغلاق الطرق وملاحقة المواطنين واحتجازهم.
وبخصوص قضية الأسرى توقَّع المراقبون أن يعمد الصهاينة إلى أساليبهم الملتوية والخبيثة ومفادها: أن "شارون" سيعمل على إطلاق الأسرى، إذا قام "عباس" بتفكيك البنية التحتية لحركات المقاومة، ودائمًا سيكون لديه- ولدى المحيطين به- إثباتات أنه لم يتم تفكيك هذه البُنَى التحتية.
ويبدو أن هذا الأسلوب قد اتبعه الصهاينة بالفعل، حيث خلص بيان الحكومة الصهيونية- الذي ذكر تلك الإجراءات- إلى أن الكيان الصهيوني ينتظر أن تتحرك السلطة الفلسطينية لتفكيك "المنظمات الإرهابية"، وفقًا للخطط الأمنية المتفق عليها، وإجراء إصلاحات أساسية في القطاعات الاجتماعية والأمنية والإدارية والاقتصادية والقضائية؛ بغية دفْع عملية السلام، وإلى أن هذه الإجراءات المتَّخذة تُعد تجْسيدًا لالتزام الكيان الصهيوني بالعملية (السلمية).
أما فيما يتعلق بالجدار الفاصل.. فبالرغم من مطالبة "كوندوليزا رايس" في السابق ثم "كولن باول" بوقف البناء فيه.. فإن "شارون" قد ردَّ في السابق أنه قد ينسحب من خريطة الطريق، في حال ضغط عليه الأمريكيون في هذه المسألة، وفي الوقت الذي اتخذت حكومته هذه الإجراءات المشار إليها طلب "شارون" مئات الملايين من الشيكلات؛ لاستكمال بناء الجدار بأقصى سرعة ممكنة، وجدير بالذكر أن "بوش" عاد فأكد لـ"شارون" تفهُّمَه للأسباب التي قد ساقها "شارون" كمبرر لبناء الجدار.
والمعروف أن حكومة الكيان الصهيوني بدأت في بناء الجدار في 23 يونيو2002م في الضفة الغربية، ويبلغ طوله600كم، وهو ضعف طول الخط الأخضر الذي يصل إلى350 كيلو مترًا؛ وذلك لأن الجدار لا يلتزم بمسار الخط الأخضر، بل ينحني وينحرف في الضفة لضمِّ مستوطنات وأراضٍ فلسطينية إلى الكيان الصهيوني، ويبلغ ارتفاعه 8 أمتار تعلوه أسلاك شائكة، وبه أبراج مراقبة، وأجهزة إنذار، وتقدَّر تكلفته بـ6.5 مليار شيكل.
وأثناء الاجتماع مع الرئيس الأمريكي عاد "عباس" إلى ذات اللغة الخطابية المرنة، التي لا ترتبط بما يجري على أرض الواقع فقال: إن الكيان الصهيوني اتخذ بعض الخطوات حتى الآن، لكن هذه الخطوات مازالت تتَّسم بالتردد، وعصر السلام الجديد يتطلب منطق السلام الذي يتَّسم بالشجاعة، لا منطق الصراع الذي يتَّسم بالارتياب.
وجدد "عباس" التعهُّد بتنفيذ التزاماته وبأن يكون هناك "سلطة واحدة"، وبإنهاء فوضى السلاح، وهو يقصد بذلك سحب سلاح المقاومة، مع الالتزام بالتعددية السياسية، مطالبًا الكيان الصهيوني باتخاذ خطوات جريئة والتي يقصد بها الإفراج عن آلاف الأسرى والمعتقلين، ووقف بناء الجدار الفاصل، وتسهيل حركة وتنقل المواطنين، وانسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي تمَّ احتلالها في 28 سبتمبر2000م، داعيًا في الوقت نفسه إلى رفع الحصار عن "عرفات".
ومن جانبه أشاد "بوش" بالإجراءات التي اتخذها الكيان الصهيوني، قائلاً: أشعر بالارتياح لهذه الإجراءات التي تتعلق بالإفراج عن مئات من المعتقلين الفلسطينيين، وإزالة ثلاثة حواجز في الضفة الغربية.
إن رئيس الوزراء "شارون" يظهر شأنه كشأن رئيس الوزراء "عباس" أنه شريك متمسك بتحقيق السلام"، ولم يستطع "عباس" إقناع "بوش" بالتدخل لرفع الحصار عن "عرفات"، ومسألة الإفراج عن الآلاف من الأسرى والمعتقلين، حيث أطلق "بوش" الوصف الصهيوني (إرهابي) على رئيس السلطة الفلسطينية، واعتبر أنه ينبغي التعامل مع مسألة المعتقلين من خلال كل حالة على حدة، مكررًا حجة "شارون" أن الإفراج عن "إرهابيين" لن يساعد على تحقيق تقدُّم في خُطَّة خريطة الطريق.
وفيما اعتبرته الحكومة الفلسطينية "تقدُّمًا ملموسًا" وصفَ الرئيس الأمريكي الجدارَ الفاصل بأنه "مشكلة"؛ نظرًا لأنه من الصعب بناء الثقة بين الفلسطينيين والصهاينة، مع جدار يتلوَّى كالثعبان، عبْر الضفة الغربية "وسأستمر في مناقشة هذه المسألة بكل صراحة مع رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، وكرر "بوش" رغبته في وقف الاستيطان بالقول: "فيما يتعلق بالمستوطنات أكدْت دائمًا الحاجة إلى وقف الاستيطان، وسنواصل العمل مع الطرفين بشأن هذا الموضوع شديد الحساسية"، إلا أن "بوش" في لقائه مع "شارون" عاد فأعلن تقديره للمبررات التي ساقها "شارون" خاصةً بناء الجدار.
وأعلن "بوش" إنشاء مجموعة اقتصادية أمريكية- فلسطينية، وإرسال وزير خزانته "جون سنو" في الخريف المقبل للمنطقة، وستعقد هذه المجموعة اجتماعات منتظمة، وتكلف إيجاد الطرق العملية لإيجاد الاستثمارات للاقتصاد الفلسطيني، وهو بمثابة وعد أمريكي بإنعاش الاقتصاد، وحافز لـ"أبو مازن" لينهض بما هو مطلوب منه.
وقد كشفت هذه الزيارة طريقة تعامل الحكومة الفلسطينية مع خريطة الطريق الأمريكية، حيث إنها قبلتها في البداية مع الأطراف العربية، على اعتبار أنها حددت التزامات الطرفين، وجعلت للرباعية دورًا حيويًا، ومن المفارقة أنها ظلت على هذا القبول بعد أن جرى تهميش الرباعية، ولم تعد هناك التزامات صهيونية بعد قبول الإدارة الأمريكية لتعديلات حكومة "شارون"، على اعتبار أن هذه الخريطة هي الخيار الوحيد للتَّسْوية في ظلِّ الأوضاع الإقليمية الراهنة.
ورغْم الفشل في الحصول على ضغط أمريكي على الكيان الصهيوني- من أجل تنفيذ التزاماته وفق خريطة الطريق- فقد تحدثت حكومة "عباس" عن حدوث تقدُّم ملموس في العلاقات الفلسطينية- الأمريكية تتمثل في التفهم الأمريكي لرؤيتها فيما يخصُّ القضايا المشار إليها، وكذلك التعاون الاقتصادي الفعال الذي شنَّه إعلان "بوش" عن إنشاء مجموعة أمريكية- فلسطينية لتنمية الاقتصاد الفلسطيني.
وفي المقابل يتحدث الخبراء الأمريكيون في شئون "الشرق الأوسط" أن واشنطن وتل أبيب قد حولتا خريطة الطريق بالفعل إلى خطة أمنية، وذلك بعد القضاء على دور الرباعية، وقبول 14 ملاحظة صهيونية على الخطة، وقد ظهر هذا جليًّا أثناء زيارة "عباس" للبيت الأبيض، حينما أعلن "بوش" – صراحة- أن القيام بحملة على جماعات مثل حماس من شأنه أن يساعد في تنفيذ خريطة الطريق، سأقول لكم صراحةً: "إن علينا ضمان اجتثاث أي نشاط إرهابي؛ حتى نتمكن من التصدي لهذه القضايا الكبيرة".
وفيما قدمت الاستخبارات الأمريكية خطَّة أمنيَّة للرئيس الأمريكي ليعرضها على "عباس" لضرب حركة حماس- وتشمل إجراءات أمنية وإستراتيجية لتفكيك حماس وتقوية دعائم جهاز الأمن تحت إشراف العقيد "دحلان" بتكلفة قدرها 250 مليون دولار- ناقش "دحلان" الشخص المكلف بشئون الأمن في حكومة "عباس" مع مستشارة الأمن القومي "كوندوليزا رايس" ورئيس الاستخبارات الأمريكية "جورج تبنيت" خطته التي تركز على شراء الأسلحة في حوزة حركات المقاومة، بدلاً من نزعها بالقوة، وعرض 6 آلاف دولار للقطعة الواحدة، على أن تمول الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي عمليات الشراء.
أما فيما يتعلق بالمسار السياسي فيرى هؤلاء الخبراء أن الولايات المتحدة تهدف إلى فتح التفاوض الثنائي حول مختلف القضايا تحت إشرافها، والتساؤل الآن.. هل سيؤدي ذلك إلى إنهاء الاحتلال عن مساحة الـ22% المحتلة عام 1967م؟!
إن التجارب السابقة والتحيز الأمريكي قد أدى إلى إطالة أمد التفاوض دون الوصول إلى نتيجة بهذا الشأن، سوى إتاحة الوقت للكيان الصهيوني لخلْق مزيد من الحقائق على الأرض، وتغيير الواقع بما يؤدي إلى تصفية القضية.
وإن كان البعض يرى أن الأمريكيين والصهيونيين يسعَون إلى حسْم الصِّراع وإقامة دولة فلسطينيَّة هُلامية على مساحة 42% من الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك من خلال خريطة الطريق التي أتاحت- حتى الآن- تغيير القيادة الفلسطينية، ووضعها تحت الوصاية الأمنية والاقتصادية، وبناء الجدار الذي يعبر عن فكرة "الفصل العنصرى"، فضلاً عن أنه يفرض حدودًا أمنية، وهي دويلة هُلامية مزروعة بالمستعمرات والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية تمثل في الذهن الأمريكي والصهيوني مرحلة للاستعداد الصهيوني لتأكيد ابتلاعها مستقبلاً.. بعد أن جرى ابتلاع 56% من الضفة وغزة.
وبينما انشغلت القيادة الفلسطينية الجديدة بقضايا الحواجز والانسحاب إلى مناطق ما قبل 28 سبتمبر2000م، وتعتبر أن التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة يمثل تقدمًا ملموسًا في العلاقات الفلسطينية، وكان مجلس الوزراء والكنيست الصهيوني يصدر قرارات بعدم شرعية حق العودة، ورفض التفاوض حول القدس، واعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة أرضًا صهيونية غير محتلة، فيما أَعلنت الإدارة الأمريكية أن التعاون الاقتصادي إنما يهدف إلى تحسين شروط المعيشة؛ مما يؤدي إلى تغيير ثقافة الفلسطينيين من الإرهاب إلى الديمقراطية، ويهيئ بذلك إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة، وواضح أنها كلها خطوات وإجراءات تصبُّ في خانة ابتلاع أراضي 1967م، معتمدةً على الوقت وتخدير المشاعر، في ظل التراجع العربي.