بعد أن انتهت القوات الأمريكية من احتلال العراق وإزالة حكومة الديكتاتور "صدام حسين" عادت القضية الفلسطينية لتسيطر على مجريات الأحداث، وأصبح الحديث عن الأزمة العراقية ومعاناة الشعب العراقي عابرًا، ولا يرتقي لمستوى القضية وأهميتها، كما صار الجميع يراقبون الأحداث دون أي تأثير فيها.

سياسة مصر تجاه العراق:

والمتتبع لسياسة مصر الخارجية تجاه العراق يجد أنها تتلخَّص في المطالبة بالبدء الفوري في إعادة الأمن والاستقرار للعراق، والعمل بسرعة على التغلب على المصاعب الإنسانية التي تواجه شعبه، والتعجيل بتشكيل حكومة عراقية تكفل للشعب العراقي حقه في أن يحكم نفسه بنفسه، وتحقق له السيطرة الكاملة على موارده ومقدراته، وتضْمن انسحاب جميع القوات الأجنبيَّة من أراضيه، واحترام سيادته وسلامته واستقلاله.

رؤية مصر لحل الأزمة:

ومن أجل عودة الأمن والاستقرار للعراق سبق أن اقترحت مصر عمل مجلس "حكم عسكري" في العراق؛ لأنها المؤسسة الوحيدة القادرة على تحقيق الأمن، والتي يعمل لها الجميع ألف حساب.
وتؤكد القاهرة على أنه إذ لم تتحرك الولايات المتحدة بسرعة فإن مشاكل كثيرة ستحدث، فضلاً عن أن العمليات الإرهابية وحرب العصابات ستنتشر، إن لم تكن قد انتشرت بالفعل، خصوصًا وأن المقاومة العراقية قد بدأت مبكرًا وبصورة غير متوقعة، حيث لا يمرّ يوم- من بعد انتهاء الحملة الأمريكية على العراق- إلا ويسقط قتيلٌ أو قتيلان أمريكيَّان بين صفوف القوات الأمريكية؛ ومن أجل ذلك حذرت القاهرة واشنطن من غضب الشعب العراقي، قائلة:ً "إنه ليس كأي شعب، وإنمَّا هم من نوع آخر، وذلك من كثرة الضغوط التي تعرَّضوا لها".

ومن ثمَّ أعلن الرئيس المصري على أنه ما لم يتم انتخاب حكومة شرعية من قِبَل الشعب العراقي، فإنَّ المسألة ستُصبح أصعب ما يمكن، وستتطور الأمور إلى الأسوأ، خصوصًا وأنه من الخطَر على أمن المنطقة واستقرارها أن يستمر التوتر، وعدم الاستقرار، وغيبة الأمن، وأن تنتشر الفوضى، وتتدهور المرافق، وتنهار الخدمات.

كما حذر من فرض حكومة على العراقيين، داعيًا إلى إقامة مؤسسات الحكم الجديدة، دون تدخل لإحداث توازن ديني أو عراقي زائف لأغراض ترتبط بمصالح أجنبية.

وطالبت القاهرة الأمم المتحدة والدول العربية بلعب دور محوري في عودة الأوضاع إلى طبيعتها في العراق، منتقدة الأفكار الخاطئة، التي يروج لها البعض والخاصة بأن إقرار الديمقراطية في العراق- وفقًا لمقاييس ومعايير أجنبية- من شأنه أن يؤدي إلى انتشار موجة من الديمقراطية والإصلاح في العالمين العربي والإسلامي، ويخفف في الوقت ذاته من التطرُّف والغلوّ.

ويأتي ذلك بعد أن رفضت مصر المشاركة في إرسال قوات مصرية إلى العراق، بناءً على طلب واشنطن، إلا أنها أكدت على أن مشاركة مصرية لابد وأن تكون بتفويض من الأمم المتحدة.
وقد سبق تلك الخطوة تحذير من القبائل العراقية لأي مشاركة عربية في الاحتلال؛ لأنها ستعتبرها مثل القوات الأمريكية قوات احتلال، كما أن من شأن ذلك أن يضفي الشرعية على الاحتلال الأنجلوأمريكى.

وتصر القاهرة على تأكيد موقفها الداعي إلى ضرورة الإسراع في ترْك مسئولية الحكم والسلطة للشعب العراقي بصورة تتيح له أن يحافظ على سيادته ووحدته الوطنية وسلامة أراضيه؛ ليمارس دوره في تعزيز الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.

وقد رحَّبت مصر بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العراق، واعتبرته خطوةً في الاتجاه الصحيح، حتَّى يتم القضاء على الاحتلال الأمني والسياسي في العراق، ليبدأَ الشعب العراقي في تولّي مسئوليته ومواصلة الإعمار وإقامة المؤسسات ووضْع الدستور.

ورغْم ما في الموقف المصري من إيجابيات تجاه الأزمة العراقية، إلاَّ أنَّه لا يخلو من سلبيات تحتاج إلى إعادة نظر وتقييم، وأول تلك السلبيات أن الموقف المصري- حسب ما صرح به السيد "أحمد ماهر" وزير الخارجية- "يكتفي بمراقبة الأحداث في العراق لمعرفة كيف ستتطور هذه الأحداث، وفي أي اتجاه، دون أن يكون لنا أي تأثير فيها أو تدخُّل لمصلحة الشعب العراقي، وعندما نتدخَّل يكون تدخلنا مجرد نصائح نقدمها للجانب الأمريكي نبين له فيها خطورة الوضع، ليس على الشعب العراقي ولكن على الجنود الأمريكيين، بل وعلى الوجود الأمريكي نفسه في المنطقة كلها".

والنقطة الأخرى هي أن مصر- والعرب- مازالت تدور في فلك الاستراتيجية الأمريكية التي تفرض عليهم ثقافة الانصياع، بما يعني الإخضاع، والإجبار، والقهر لما تفرضه الامبراطورية الأمريكية بالقوة المتعددة الأسلحة، وفي الاتجاهات المختلفة؛ حتى يتم الخضوع لها، والارتداع لأوامرها، والقبول بما تفرضه، ومن شأن ذلك أن يحطّ من مكانتهم الإقليمية، ومن ثمّ يتحتّم عليها أن يزيلوا عن كاهلهم الطوق الأمريكي قليلاً، حتى يشعروا باستقلالهم وقدرتهم على اتخاذ القرارات وتوجيه الأحداث والتأثير فيها.

أما السلبية الثالثة، فهي قلة المساحة التي تعرضها الخارجية المصرية للأزمة العراقية، فما يتم تناوله فيما يخص الأزمة العراقية لا يتناسب إطلاقًا وحجم تلك الأزمة وخطورتها على المنطقة كلها، الأمر الذي يحتاج إلى وقْفة، إذ يأتي الحديث عن الوضع في العراق في ثنايا الخطابات الرسمية، والأحاديث الصحفية، واللقاءات العامة، وكأنها قضية هامشية تحتاج إلى تركيز.

السلبية الرابعة هي: أن السياسة الخارجية المصرية تجاه العراق، متحفّظة إلى أبعد الحدود، إذ تكتفي برؤية الأحداث، دون أي تعليق عليها، مثلما حدَث بعد مقتل "عدي" و"قصي"- ابني "صدام حسين"-، حيث لم يصدر أي تعليق، لا من الصحف الرسمية المصرية، ولا من الخارجية المصرية، على الرغم من أن ما قامت به الإدارة الأمريكية من نشر لصور جثتي "عدي" و"قصي" هو نفسه ما رفضته أمريكا في السابق عندما قالت إن نشر صور الأسرى الأمريكيين مخالف لاتفاقية جنيف، ومن ثم كان من المنطقي أن يجري انتقاد لذلك الموقف مع رفضه صراحة.

أما السلبية الأخيرة فهي: عدم تطرق السياسة الخارجية المصرية لمسألة عدم شرعية الاحتلال الأمريكي للعراق، وهل هذا يتفق مع القوانين والمعاهدات الدولية أم لا؟ وخصوصًا بعدما فشلت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في العثور على أسلحة دمار شامل في العراق مثلما كانت تزعم؛ مما جعل إدارة الدولتين تتعرض لنقد داخلي شديد جدًا، وكان يتعين أن يقابله رفض خارجي من قبَل الشعوب والحكومات العربية غير أن ذلك لم يحدث.

ستنتاج:
ومن ثم يمكن القول أن الموقف المصري خاصةً والعربي عامةً- تجاه العراق- أكثر من متواضع للغاية، ويحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر، حتى يرتقي لمستوى الحدث، ويصبح عاملاً مؤثرًا في الأحداث، لا مجرد مراقب لها، لابد من شأن ذلك أن يضرّ بمكانة مصر عربيًا وإقليميًا.

إنه يتحتم على مصر والعرب أن يعلنوا صراحةً رفضهم، ويطالبوا بضرورة إنهاء الاحتلال فورًا، وخروج القوات المعتدية من العراق، بعد إلزام حكوماتها بإعادة إعمار ما خربته الحرب، طبقًا للقوانين والمعاهدات الدولية.