أقرَّ الكنيست الصهيوني قانونًا قدَّمه حزب الليكود- الذي يرأَسُه السفَّاح "شارون"- والذي يعتبر أن أرض الضفة الغربية وقطاع غزة أراضٍ صهيونية وليست محتلة، وذلك قبل أيام من قيام كلّ من "أبومازن" و"شارون" لزيارة واشنطن في 25/29 يوليو على التوالي، التي تتناول موضوع التفاوض حول قضايا الوضع النهائي؛ مما يعني أن القرار يُعد عملاً استباقيًا صهيونيًا لتحديد آفاق ونمَط التسوية مع القيادة الفلسطينية الجديدة.

وكان الكنيست قد عقَد جلسة مناقشات حول خريطة الطريق، وتقدَّم العديد من الأحزاب بمشروعات قوانين، بينها مشروع "الجبهة العربية للتغيير" بزعامة "أحمد الطيبي" الذي طرحه للتصويت، وينصُّ على أن الكنيست يتبنَّى دعوة رئيس الحكومة إلى إنهاء الاحتلال والسيطرة على الشعب الفلسطيني.

لكن الكنيست رفض هذا المشروع، ووافق على قرار تقدمت به كتلة حزب الليكود الذي يرفض اعتبار الضفة وغزة أراضٍ محتلة، لا من الناحية التاريخية ولا بموجب القانون الدولي، ولا وفقًا للاتفاقيات السياسية التي وقَّع عليها الكيان الصهيوني، ويدعو في نفس الوقت إلى دعْم الاستيطان في هذه الأراضي المحتلة.

وجاء في نصِّ القرار أيضًا أن الكنيست يدعو الحكومة إلى:
- التمسُّك بالخطوط الحمراء في كل مفاوضات مستقبلية، أي سيادة صهيونية على مدنية القدس.
- الحفاظ على المناطق الأمنية التي تشمل المنطقة الأمنية الغربية على طول خط التماس، ومع مصر، والمنطقة الأمنية الشرقية في غور الأردن.
- معارضة مطلقة لعودة لاجئين فلسطينيين إلى الكيان الصهيوني.
- تفكيك البنية التحتية للإرهاب.
- وقْف التحريض كشرط لأي مفاوضات حول اتفاقيات سياسية.

ورغْم أن بعض الآراء قد اعتبرت أن هذا القرار- الذي تمَّ تمريره أثناء جولة أوروبية لرئيس الوزراء الصهيوني في بريطانيا والنرويج- ليست له أية قوة إلزامية على "شارون"، وإنما يسعى إلى إلزامه بعد ما ذكر لأول مرة كلمة "احتلال" قُبيل انعقاد قمة العقبة في أول يونيو الماضي بقوله: ليس احتلال 3.5 مليون فلسطيني أمرًا جيدًا لإسرائيل(الكيان الصهيوني)...، ولا لاقتصاد إسرائيل(الكيان الصهيوني).

مع كل ذلك فإن هذا لا يتعارض مع توجهات "شارون"، ليس لجهة أن "عومري شارون" صوَّت إلى جانب القرار، وإنما لأن القرار يحاول إضفاء المشروعية على ممارسات الاحتلال الصهيوني؛ نظرًا لأن الأراضي المحتلة عام 1967م لا يجوز ضمها بالقوة، ومثل هذا الضم باطل ولاغٍ، والاحتلال له طبيعة استثنائية. فبالنتيجة تكون عمليات بناء المستعمرات والجدار الفاصل واعتقال آلاف المعتقلين والأسرى هي إجراءات استثنائية ولاغية وباطلة.

فحديث "شارون" عن "الاحتلال" لم يقصد به الأراضي المحتلة عام 1967م، فقد ظل يعتبرها أراضي صهيونية، وإنما قصد من ذكرها احتلالَ الشعب لا الأرض الفلسطينية، وبثَّ أجواءٍ من التفاؤل مطلوبة أمريكيًا وصهيونيًا قبل القمة الثلاثية في العقبة.

ورغم تعهد "شارون" تفكيك المستعمرات "غير القانونية" تنفيذًا للالتزامات الصهيونية- وفقًا لخريطة الطريق- فإنه بعدما قام بالفعل بإخلاء بعض البؤر الثانوية التي لا تمس أحزمة المستوطنات الكبرى حول القدس وفي الضفة الغربية وغزة أعلن في الكنيست أن هذه الخريطة لا تمنع إسرائيل(الكيان الصهيوني) من بناء المستوطنات، ودعا إلى استمرار توسيع المستوطنات وبناء أخرى جديدة في هدوء وكتمان وسرية، فضلاً عن أن فكرة الجدار الفاصل الذي شارفت المرحلة الأولى من بنائه على الانتهاء- ويفصل بين الضفة وفلسطين 1948م- تأتي في إطار خطط "شارون" لتحقيق الأمن للكيان الصهيوني، والقضاء على انتفاضة الشعب الفلسطيني، والمعروف أن بناءَ هذا الجدار يلتهم الآلاف من "الدونما" من الأراضي المحتلة، كما يحولها إلى "جيتو" ضخم يتحكم فيه الصهانية.

وبذلك يضيف حزب الليكود وصفًا صهيونيًّا جديدًا على الأراضي المحتلة 1967م، وهو "أراضٍ غير محتلة"، فقد ظل الليكود يسمي الضفة الغربية "يهود والسامرة- 2" نسبةً إلى مملكتين قامتا لوقت قصير في شمال الضفة وجنوبها، وفقًا للتاريخ اليهودي، فيما كانت الحكومات الصهيونية المتعاقبة تصف الأراضي المحتلة تارةً بأنها أرضُ "مُدارة"، وتارة أخرى بأنها "أرضٌ متنازع عليها".

وهذه ليست المحاولة الأولى لإضفاء صفة المشروعية على احتلال الأراضي العربية، فمن المحاولات المبكرة ما قام به أستاذ القانون الصهيوني "يهودا بلوم" 1968م، عندما كان يشغل منصب المندوب الصهيوني في الأمم المتحدة من إنكار السيادة الأردنية على الضفة الغربية، ولم يتطرق لسيادة الشعب الفلسطيني، وبذلك استنتج أن الضفة الغربية غير محتلة؛ لأنها كانت فارغة السيادة- على حدِّ زعمه- وقام الكيان الصهيوني بمِلء هذا الفراغ، وفي حال دفاع عن النفس في عام 1967م!!.

واللافت أن الأطراف العربية المعنيَّة حاولت أن تجد مبررًا لهذا القرار فاعتبر بعضها أنه بمثابة إحراج لرئيس الوزراء الصهيوني الذي أعلن التزامه بخطة خريطة الطريق الأمريكية، ولم تتجه بالتالي إلى مطالبة الكيان الصهيوني الغاصب بتفسير له، على اعتبار أن الكتلة البرلمانية لحزب الليكود- الذي يشكل هذه الحكومة في الكيان الصهيوني- هي صاحبة مشروع القرار.

وفيما دانت السلطة الفلسطينية هذا القرار؛ نظرًا لأنه ينتهك القرارات الدولية- خاصةً قراري 242 ، 338 من الأرض مقابل السلام، الذي يدعو إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة 1967م- اعتبرته مصر على لسان وزير خارجيتها "أحمد ماهر" أنه محاولة جديدة من "محاولات التخريب الصهيونية للتسوية، داعيًا إلى عدم الالتفات إليها، وقد عقد المجلس التشريعي الفلسطيني جلسةً غير عادية لمناقشة هذا القرار، ويسود اتجاه داخل المجلس بضرورة طرح قرارات مشابهة، لها قوة القانون حول قضايا مفاوضات الوضع الدائم، بما يؤكد أن القدس "الشرقية" عاصمة الدولة الفلسطينية، وأن المستوطنات عملٌ عدواني، ولا سلام إلا بتفكيكها، وأن قضيَّة اللاَّجئين قضيةٌ مقدَّمة، ولا حلَّ لها إلا على أساس قرار194.

ولكن من غير المحتمل اتخاذ مثل هذه القرارات؛ نظرًا لأن هذه الأطراف تعتبر أنها قد توفِّر ذرائع الكيان الصهيوني لوقف تنفيذ المبادرة السياسية الأمريكية الحالية لتسوية خريطة الطريق، إلا أنَّ هناك رأْيًا يذهب إلى أنه بإمكان المجلس التشريعي الفلسطيني اتخاذ قرارات من هذا النوع؛ من أجل رفْع درجة شعبية حكومة "أبو مازن"، فيما ستُسفر المفاوضات- في ظل موازين القوى الحالية ونهج تيار "أبو مازن" في المفاوضات- إلى حلول أقرب إلى المحلّ الصهيوني للسلام.

والحقيقة أن هذا القرار لم يحرج "شارون" إطلاقاً- كما يذهب البعض-؛ نظرًا لأنه يتفق مع فكره وسياسته وحلّه المرحلي للتسوية، الذي مرَّ بتطورات هامة، ففي البداية تبنَّى "شارون" فكرة الحكم الذاتي، التي عرضها "مناحم بيجِن" وجعلها محور أفكاره السياسية منذ العام 1982م، وذلك بعدما فشل في تهجير اللاجئين الفلسطينيين من لبنان إلى الأردن إبان الغزو الصهيوني للبنان.

وقد تحدث "شارون" عما يسمَّى "شروط إطار" لأي تسوية مقبلة، فيها أن القدس عاصمة للكيان الصهيوني موحدة وأبدية، وأن نهر الأُردن حدوده أمنية شرقية، والجيش الصهيوني مسئول عن الأمن، أما حلُّ قضية اللاجئين فيكون عربيًا، والجولان جزءٌ من الكيان الصهيوني.

أما في انتفاضة الأقصى فقد عرَض حلاًّ مرحليًّا طويل الأمد، يقوم على إعطاء الشعب الفلسطيني "دولة" على 42% من الضفة الغربية، و60% من قطاع غزة، على أن يكون التفاوض على هذا الحلّ مع "قيادة جديدة" لمنظمة التحرير يتم التفاوض معها، بدلاً من الأردن، ثم أضاف إلى ذلك أن يتولَّى الفلسطينيون شئون الأمن الداخلي، وتكون لديهم مظاهر سيادة.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه "شارون" عن "تنازلات مؤلمة" لتحقيق الأمن الصهيوني وتسوية الصراع فإن قرار الكنيست يتَّفق مع هذه المقولة من جهة أن الأراضي المحتلة 1967م هي أراضٍ صهيونية، وبالتالي فإعطاء حكومة "أبو مازن" ما يقرب من نصف الضفة الغربية وقطاع غزة هو من قبل هذه التنازلات المؤلمة، رغم معارضة "شارون" والصهاينة لأيّ سياق تتمتع به هذه الدولة.. إضافةً إلى أنها ذات حدود غير ثابتة.. كما أنها ممزقة تفتقد الفواصل لوجود المستعمرات الصهيونية.. وإضافةً إلى ذلك فإنها تأتي عن طريق تفاوض فلسطيني يهودي.. وبعدما تقرر الرباعية وواشنطن أن الجانب الفلسطيني ملتزم بالشروط والتكاليف الأمنية التي حددتها خريطة الطريق.

بعبارة أخرى.. يمكننا فهم هذا القرار في سياق التحركات الصهيونية الحالية التي تسبق زيارة "شارون" لواشنطن في 29 يوليو، فبينما كان "شارون" في جولة أوروبية تهدف إلى قطع العلاقات الأوروبية مع "عرفات"، وقصر تعامل الاتحاد الأوروبي مع حكومة "أبو مازن" كان الكنيست يبلور "الحل الصهيوني" للسلام الذي يتبنَّاه "شارون" وحزب الليكود، فالدولة الفلسطينية جزء من الأراضي المحتلة 1967م، والمستوطنات ستظل قائمةً، والجيش الصهيوني سيتولَّى الأمن، والقدس ستظل عاصمة الكيان الصهيوني الموحدة، ولا عودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.. ولا سيادة للدولة.. إلخ.

وإذا أرادت حكومة "أبو مازن" الدخول في مفاوضات ضمْن هذا السقف المطروح للتسوية فإن عليها تنفيذ التزاماتها الواردة في خطة الطريق الأمريكية، وتتمثل في القضاء على حركات المقاومة وتفكيكها، وليس القبول بمبادرتها للهدنة، وهذا ما سوف يعلنه "شارون" أثناء لقائه مع الرئيس الأمريكي من أن "فترة السماح" التي أعطتها حكومته للحكومة الفلسطينية قد انتهت، وأنَّ على السلطة الفلسطينية أن تبدأ بمقاومة الإرهاب حتى يتسنَّى الدخول في مفاوضات على دولة مؤقتة ثم دولة نهائية!