قراءة في إعادة الانتشار السوري في لبنان
في ضوء التطورات الإقليمية والداخلية

يُشير بعض المحللين السياسيين إلى أن "الالتباس والغموض" هو آلية من آليات الحكم في سوريا، كما أنه آلية دبلوماسية للتحرك السوري دوليًا وإقليميًا، وأن السوريين يجيدون إمساك العصا من المنتصف، وفرز المواقف والتعامل معها بـ"براجماتية" عالية، بعيدًا عن ضجيج "الأيديولوجيا"، ودعاوى التمسك بالثوابت، كما أنهم يمتلكون مقدرة فائقة على السعْي لتصفية المشكلات قبل أن تصل إلى مرحلة الأزمة التي تتطلب اتخاذ موقف حاسم، أو تحمُّل نتائج مواقف الأطراف الأخرى، أو حتى تجميد المشكلات عن حدود مقبولة من التصعيد.

ومن خلال هذا الإطار يمكن تحليل السياسة والمواقف السورية التي تجيد الصمت في أوقات الأزمات، وتجيد لغة الخطاب الحماسية المفتعلة عندما تهدأ هذه الأزمات، ولا يترتب على خطابها السياسي تحرك يوازي شجاعة الخطاب وحماسته.

فمنذ أيام قامت القوات السورية الموجودة في لبنان برابع عملية إعادة انتشار لها في لبنان، فانسحبت من بعض مواقعها في لبنان، وقُدِّرَ عددُ القوات السورية العائدة إلى دمشق بحوالي ألف جندي يشكلون الوحدات الإدارية للقوات التي أُعيد انتشارها في المرات السابقة، ومن ثَمَّ لم تكن عملية إعادة الانتشار الأخيرة ذات أهمية استراتيجية كبيرة؛ نظرًا لحجْم ونوعية هذه القوات، وطبيعة المواقع غير الاستراتيجية التي انسحبت منها، إلا أنَّ أهمية هذه الخطوة أنها جاءت في إطار حزمة من التطورات والتحركات السورية داخليًا وخارجيًا ارتبط بعضها بنظام الحكم، والنشاط الاقتصادي، والتعليم، والدور السوري في بعض القضايا الإقليمية، وهي العراق وفلسطين، والضغوط الأمريكية التي تتعرض لها سوريا لإرغامها على التجاوب مع المطالب الأمريكية.

وقد التزمت سوريا بالصمت خلال عملية إعادة الانتشار الرابع لقواتها في لبنان، فلم تتناول وسائل الإعلام السورية بمختلف أنواعها هذه المسألة، ولم تتطرق إليها، إلا أنها قوبلت داخل لبنان بترحيب اختلفت درجة حماسته تبعًا لطبيعة العلاقة السورية بالقوى اللبنانية، وقوبلت من واشنطن بترحيبٍ فاترٍ يدعو إلى اتخاذ مزيد من الخطوات في هذا الاتجاه، واقترن هذا الفتور في الترحيب برسالة أمريكية لدمشق بأن واشنطن تُبارِك ذلك الأمر، وأن المكافأة على ذلك هي تأجيل لجلسة الكونجرس الأمريكي إلى أجل غير مسمّى بخصوص النظر في مشروع "قانون محاسبة سوريا"- الذي يحظى بتأييدٍ كبير في الكونجرس- يقوم على دفعه للإقرار بعضُ صقور الإدارة الأمريكية، أبرزهم "جون بولتون" وكيل وزارة الخارجية الأمريكية- الذي يُعد من أشد المعادين لسوريا-، كذلك تأكيد مسئولين أمريكيين أن المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) ودوائر استخباراتية أخرى تمكنت من وقف تحذير شديد كانت إدارة "بوش" على وشك إصداره ضد سوريا بشأن أسلحة الدمار الشامل.

على الصعيد اللبناني جاءت إعادة الانتشار الرابعة للقوات السورية بعد تعديل وزاري لبناني، وتشكيل حكومة لبنانية جديدة ضمَّت الموالين لسوريا في لبنان، كما أن إعادة الانتشار هذه المرة جاءت بعد هدوء القوى اللبنانية، خاصةً المارونية المعارضة للوجود السوري العسكري في لبنان، وإعلان البطريرك الماروني "نصر الله صفير" بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وموجة التهديدات الأمريكية التي أطلقتها واشنطن ضد دمشق، أن المسيحيين في لبنان لن يكونوا "خنجرًا" في ظهر سوريا، وأنهم يقفون مع دمشق في مواجهة التهديدات الأمريكية.

وقد سبق الحرب الأمريكية على العراق تصاعد الأصوات اللبنانية المطالبة بانسحاب السوريين من لبنان، وتنفيذ اتفاق الطائف الموقع عام 1989م، وما أثار قلق السوريين أن هذه الأصوات المعارضة لوجودهم جاءت من بعض أصدقائهم السابقين، إضافةً إلى الأصوات المسيحية، كما أن مسألة الوجود السوري أخذت بُعدًا طائفيًا دينيًا وليس سياسيًا، وبدا أن المسلمين الشيعة يؤيدون هذا الوجود لفترة مقبلة، بينما المسيحيون يطالبون بالانسحاب وإصلاح الميزان المختلّ في العلاقات السورية اللبنانية، مما دعا مؤسسة الحكم في لبنان إلى التدخُّل لمنع أي توترات قد تترتب على هذا الجدل الذي بدأ يأخذ مُنْحىً طائفيًا.

وأثارت هذه الخطوة السورية في لبنان جدلاً وردود فعل متباينة تركزت كلها حول طبيعة العلاقة بين لبنان وسوريا، فرأى وزير الداخلية اللبناني "إلياس المر" أن العلاقة بين بيروت ودمشق غير متوازنة، ولكنها في صالح لبنان الذي يأخذ من دمشق أضعاف ما يعطيها؛ لأن السوريين دفعوا ثمنًا غاليًا من جنودهم لتوحيد لبنان خلال العملية التي استهدفت الإطاحة بالعماد "ميشيل عون"، وساهمت في إعادة الجيش اللبناني مجانًا، ودعمت جهود الدولة اللبنانية في مهمة حلّ المليشيات، ودعمت عملية كفِّ يد السياسيين عن الجيش والقوى الأمنية، وشكلت مظلة حماية للدولة والمقاومة، أثناء عملية تحرير الجنوب اللبناني، وأكد "المر" أن دمشق لا تريد من لبنان مقابل ذلك سوى أن يكون لبنان حليفًا صادقًا لها، وصديقًا تأمنه، ويحقق أمنها الاستراتيجي.

والواقع أن حديث "المر" يحمل جانبًا كبيرًا من التبعات والأعباء التي تحملها السوريون، فمنذ عام 1976م أرسلت سوريا حوالي "35" ألف جندي من جيشها إلى لبنان تحت مظلة ما كان يُسمَّى بقوات الردْع العربية، التى قامت بإشراف مباشر من الجامعة العربية، ثم جاء باتفاق الطائف سنة 1989م ليعلق الانسحاب السوري بالانسحاب الصهيوني من لبنان، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمرّ بها سوريا حاليًا بات الاحتفاظ بهذا العدد الضخم من القوات في لبنان عبئًا حقيقيًا على الاقتصاد السوري الذي يُعاني صعوبات زادت حدتها بعد سقوط نظام "صدام حسين" في بغداد وعبْئًا سياسيًا على القيادة السورية من القُوى اللبنانية المتصاعدة الرافضة لهذا الوجود، والضغوط الأمريكية التي صارت تصرُّ على وصف الوجود السوري بأنه احتلال سوري للبنان، ومن ثَمَّ جاءت إعادات الانتشار السوري مرتبطة ببعض التطورات، كما أنها كانت انسحابات في حقيقتها لا تشمل المواقع والأماكن الاستراتيجية، مما يكفل لدمشق البقاء ولو لوقت ضمن المعادلة السياسية اللبنانية، حيث مازال لدمشق حوالي 20 ألف جندي في لبنان.

وعلى الصعيد الأمريكي كان رد الفعل الأمريكي يعبّر عن نوع الارتياح ليس لحجم القوات المنسحبة، ولكن لأن سوريا بدأت تخطو نحو واشنطن ومطالبها خطوات متسارعة، كما أن حملة الضغوط الأمريكية المدروسة جيدًا بدأت تؤتي نتائجها وتفكك الموقف السوري المتشدد تجاه عددٍ من القضايا وتجعله يقترب مما هو مطلوب منه داخليًا وخارجيًا.

وصرح وزير الخارجية الأمريكية "كولن باول"- تعقيبًا على إعادة الانتشار السوري- أن سوريا قامت بخطوات محدودة، لكنها تستطيع القيام بالمزيد للالتزام بلائحة المطالب التي تقدمت بها الولايات المتحدة إليها، وأكد أن السوريين قاموا بخطوات محدودة بالنسبة لنشاطات المنظمات الإرهابية الفلسطينية التي تتخذ قياداتها من دمشق مقرًا لها، وأنهم قاموا بخطوات أفضل، عندما منعوا دخول اللاجئين العراقيين الهاربين من العدالة إليها، وأوضح "باول" أن الأمريكيين وضعوا لسوريا أجندةً متكاملة، ولائحة بنود للالتزام بها، ومنها إنهاء كل ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، وإيقاف الدعم المسلح لحزب الله اللبناني، وإغلاق مكاتب منظمتي حماس والجهاد الفلسطينيين، بل طردهم من سوريا؛ لأنهم يناهضون خريطة الطريق.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تتنازعها وجهتا نظر للتعامل مع سوريا، الأولى ترى أن القيادة السورية الشابة بقيادة "بشار الأسد" ورثت تركة ثقيلة داخليًا وخارجيًا، وهذه التركة ليس من السهولة النظر فيها جملة واحدة وبطريقة مفاجئة ودراماتيكية؛ لأن الانحراف المفاجئ في المسار الذي يسير فيه النظام السوري منذ فترة طويلة- والذي أرسى دعائمه "حافظ الأسد"- سوف يقود إلى مراجعات خطيرة، وربما انقلابات سياسية واقتصادية؛ لأن هذا يعني رفع الغطاء عن المِرْجَل الذي يغلي، ومن ثَمَّ فإن آثارها ستكون عميقة وستخلخل شرعية القوة التي يقوم عليها النظام، وسيسمح هذا التخلخل بظهور قوىً وأدوارٍ غير مرغوب فيها أمريكيًا، ومن ثَمَّ فمن الضروري إعطاء النظام الجديد الوقت الكافي ليتمكن من تعزيز هذا التغيير، خاصةً وأن النظام يتغير بالفعل، وأن القيادة السورية تشعر بأنها أصبحت مهددة بدرجةٍ ما بعد سقوط "صدام حسين"، إضافةً إلى أن "بشار" الذي تلقّى تعليمه في الغرب وعاش فترة طويلة من عمره في إطار هذه الثقافة يؤمن بهذا التغيير ويتحرك نحوه.

أما وجهة النظر الأخرى التي يتزعمها بعض قيادة اليمين المتشدد في الإدارة والكونجرس الأمريكي المؤيدون للكيان الصهيوني، والذين يرون في الموقف السوري تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط بين الصهاينة والفلسطينين- وإيواء دمشق للمنظمات الفلسطينية المتشددة ضد الشروط والاملاءات الصهيونية تجاه هذه السلام- خطرًا على الرؤية الأمريكية للسلام في المنطقة، وعقبةً أمام إعادة الهيكلة الأمريكية للمنطقة، تتطلَّب من واشنطن أن تتحرك لتلْيين هذه العقبة ثم إزالتها، وتؤكد هذه الرؤية أن الظرف الإقليمي مهيّأٌ حاليًا للطرق على الحديد السوري الساخن، ودفعه دفعًا نحو الأجندة الأمريكية التي وضعتها له على مستوى النظام الداخلي أو على مستوى دوره الإقليمي.

وأيًّا ما كانت الرؤى الأمريكية نحو أسلوب التعامل مع سوريا، فإن النظام السوري بدأ يتحرك بالفعل نحو ما تطرحه الأجندة الأمريكية من مطالب داخليًا وخارجيًا، وسط إعلان من القيادة السورية بأن ما تقوم به يأتي بعيدًا عن الضغوط الأمريكية والتغيرات الإقليمية، وأنه ينطلق من قناعات سورية نحو التغيير، إضافةً إلى أن هذه التغيرات السورية ليست بالعمق الكافي الذي يدفعنا إلى الحديث عن تغيير جذري في السياسة السورية، فمازال النظام الحالي يمسك بجميع الخيوط في يديه، وما يأتي به من تغيير هو عبارة عن حركة في نفس المكان وليس بعيدًا عنه.

فعلى المستوى الداخلي جاءت التغيرات السياسية بفصل وفك الارتباط بين حزب البعث والإدارة بحيث لم تؤد إلى إنهاء احتكار البعث للحياة السياسية، فمازال الدستور السوري يجعل من البعث قائدًا للعملية السياسية والاقتصادية، كما أن التغييرات احتفظت للبعث بالدور الرئيسي في عملية التخطيط والإشراف والتوجيه والمراقبة، كما أن ما يُسمَّى بالإصلاح السياسي لن يؤدي إلى عملية تداول في السلطة؛ لأن هذا التداول سيعصف بمصالح بعض القوى المسيطرة على النظام السياسي، ومن ثَمَّ تبقى عملية الإصلاح السياسي في كونها وضع رتوش بسيطة على وجه النظام وليس تغيير وجوه النظام.

وعلى المستوى الاقتصادي فإن تحرك سوريا نحو الاقتصاد العالمي في إطار العولمة فرضته ظروف التطورات الاقتصادية الدولية، كما أن هناك قوانين اقتصادية متعارضة تعطَّل، وتفتح المجال في ذات الوقت للاستثمار والقطاع الخاص، وهو ما يعني أن الدولة تمتلك القوانين وتحرك ما يرغب فيه حسب رؤية القيادة السياسية.

وعلى مستوى السلام مع الصهاينة فالسوريون رغم ضجيجهم حول مسألة حقوق الشعب الفلسطيني والعرب، وتمسكهم بالجولان، وما يضعونه من شروط للسلام مع الكيان الصهيوني، فإن هناك قنوات اتصال ومفاوضات سرية سابقة لهم مع الصهاينة، بل إنه في بعض الفترات كان الخطاب السياسي العلني السوري يسير في اتجاه، والمفاوضات السرية مع تل أبيب تسير في اتجاه آخر، ويبدو أن "بشار الأسد" أدرك أن تهدئة حملة الضغوط الأمريكية على سوريا لابد أن تمر عبر محطة تل أبيب، لذلك بعث برسالة لجسِّ النبض الأمريكي حول الرغبة السورية في استئناف المفاوضات مع الكيان الصهيوني من خلال "تيري رود لارسن" منسق السلام في الشرق الأوسط، الذي أكد أن "الأسد" أبلغه رغبة دمشق في استئناف المفاوضات مع الكيان الصهيوني من حيث توقفت بالسرعة الممكنة؛ من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط.

وفيما يتعلق بالملف العراقي فإن السوريين أدركوا من خلال التجربة أن واشنطن حازمة وعازمة على تقبل أي تدخل في الشأن العراقي الملتهب منذ مايو الماضي، ومن ثَمَّ فإن محاولة دمشق أن تلعب ببعض أوراقها في العراق سوف يتْبعه موقف أمريكي حاسم قد لا تستطيع سوريا تحمُّله، وبالتالي آثرت السلامة، وخفضت خطابها الحماسي بخصوص العراق بشكل ملحوظ، ثم التزمت الصمت في هذا الشأن!.

ومن هنا فإن إعادة الانتشار السوري الرابعة في لبنان من الضروري قراءتها من خلال التطورات الداخلية والإقليمية المحيطة بسوريا، والتي تشير أن دمشق تتحرك- وإن كان تحركها في نفس المكان-؛ لأن هناك بعض الثوابت يصاحبها كثير من المخاوف حين يتمسك النظام البعثي في دمشق بالتنازل عنها ستقود إلى خلخلة كبيرة في الحكم في سوريا، إلا أنه رغم كل الأحوال.. فإن التحرك السوري يُذكر على مدى استجابته للمطالب الأمريكية.. ومدى قلقه من ضغوط واشنطن.. وينبئ باستجابات أكثر وأسرع في المستقبل المنظور.